ثلاث محطات متباعدة ومتفاوتة ، في وزنها وجغرافيتها وأدواتها ودلالالتها ، برز خلالها "اليسار" كموضوع للبحث والنقاش ، بعد أن غاب أو غُيّب عن المسرح السياسي والثقافي والفني ، لعقدين من الزمان أو أزيد قليلاً ، ظننا خلالها ، وظن كثيرون غيرنا ، أن"زمن اليسار قد ولّى إلى غير رجعة" ، وبات إرثاً من الماضي أو أثراً بعد عين:

المحطة الأولى: "اليسار اللاتيني".. أمريكا اللاتينية ، تنفض عن نفسها غبار الجنرالات ومافيا المخدرات والشركات متعددة الجنيسات ، وتغتسل من رجس "مقامري الكازينوهات" ، تتمرد على الهيمنة وتبدأ مشوار الاعتراف بالدولة الفلسطينية... أول غيث التمرد على "الفيتو الأمريكي" يأتي من الحديقة الخلفية للبيت الأبيض ، أحفاد "بابلو نيرودا" و"سيلفادور الليندي" و"سيمون بوليفار" و"تشي جيفارا" ، ورثة "لاهوت التحرير" والمقاومة من أجل الاستقلال ، يعلنون "العصيان المدني" ويشبون عن أطواق الوصاية ، وينتصرون للحق الفلسطيني ، بوصفه قضية العدالة والحق و"اليسار" الأولى ، كانت كذلك ، وستبقى إلى أن يسترد الشعب الفلسطيني حقوقه في العودة وتقرير المصير وبناء الدولة المستقلة وعاصمتها القدس.

ولولا هذه العودة المظفّرة لـ"اليسار اللاتيني" لما أمكن لـ"عباقرة دبلوماسية الانكفاء والهوان" في رام الله ، أن يحققوا مكاسب هناك. هم يدّعون أن ذكاء دبلوماسيتهم هو من جاءهم بالنصر اللاتيني المبين. كذبوا وصدقت وعود "الرفاق" في العواصم اللاتينية ، الذين تتخطى نظرتهم لفلسطين ، تفاصيل الانقسام الداخلي وخرائط التحالفات والاصطفافات ، التي تضع رام الله للأسف ، في الخنادق المقابلة لكراكاس وهافانا ولاباز وكويتو وبرازيليا.

المحطة الثانية: "هيدا زمانك".. في بيروت ، وبعد عشر سنوات من الغياب ، أطل الفنان اليساري خالد الهبر ألبومه الجديد "هيدا زمانك" ، المهدى إلى "سنديانة لبنان الحمراء" ، الحزب الشيوعي اللبناني ، وفيه "أكثر من اي زمان هيدا زمانك"... "اقرب من اي مكان هوني مكانك"... "حاجة تفتش عن كيان هيدا كيانك" "حاجة تتطلع وراك اطلع قدامك"... "اكثر من اي زمان هيدا زمانك".. أغانْ استنهاضية لليسار اللبناني الذي جرى تلويثه بالاصطفاف خلف أمراء الطوائف والحرب الأهلية ورموز العمالة لإسرائيل وميليشيات القتل على الهوية.

قد تكون أغاني الهبر ضرباً من "النوستالجيا" لأيام مضت وقد لا تعود ، وقد يكون ذوّاقة هذا النوع من الغناء هم من جيل الخمسينييات والستينييات ، جيل "الشوارع وبيروت الحرب الأهلية" ، ولكن أنباء بيروت تقول غير ذلك ، تقول أن روحاً جديدة تسري في الشرايين المتيبسة لحركة اليسار اللبناني ، وأن شباباً وشابات ، لم يشهدوا الحرب الأهلية ، هم الرواد الأكثر حضوراً لأنشطة تتمرد على الطوائف وأمرائها وانقساماتها وارتباطاتها.

المحطة الثالثة: "العبدلي".. لا تختلف سيرة "اليسار الأردني" عن سيرة شقيقه اللبناني ، سوى أنه الأضعف والأفقر من بين أقرانه في دول الجوار ، شعبياً وسياسياً والأهم فكرياً... بعضه ذهب بعيداً في علاقاته "الذيلية" و"الزبائنية" مع الحكومات ، كما فعل إلياس عطا الله مع فريق 14 آذار ، وكما فعل نظراؤه في فلسطين والعراق ، وبعضه الآخر ضيّع خصوصيته باقترابه واقترانه غير الجائزين مع "القطب الآخر": الإسلامي ، كما فعل فريق من اليساريين اللبنانيين والفلسطينيين والعراقيين ، وقلة حافظت على موقف يساري مستقل بين قطبي السلطة والمعارضة الإسلامية (كنا تناولنا هذه الظاهرة في مقال سابق).

في الانتخابات البرلمانية الأخيرة ، سقط اليسار الأردني في "امتحان الشعبية" ، وكل من وصل إلى البرلمان من رموزه ونوّابه جاء على متن العشيرة أو كوتا الأقليات ومقاعد المرأة الإضافية.... وفي "امتحان الثقة" ، فشل اليسار الأردني ، البرلماني على أقل تقدير ، ولولا عبلة أبو عبلة وحازم العوران ، لكان الفشل شاملاً ومدوياً ، لقد أنقذا بقايا اليسار وحافظا على بقايا صورته ، بانتظار زمان قد يقال فيه: "هيدا زمانك".


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة   عريب الرنتاوي   جريدة الدستور