أثار مقالنا المعنون بـ» نحن والسلفيون...قليل من المُكاشفة والمراجعة» الذي نشر في هذه الزاوية قبل بضعة أيام، ردات فعل متباينة...وتعرّض كاتب هذه السطور، لوابل من التعليقات والاتصالات، بين مؤيد ومندد...التعليقات المؤيدة جاءتنا عموماً من مصدرين: أشخاص مناهضون لهذا التيار ورافضون لهيمنته وانتشاره اللافتين ...وآخرون استحسنوا التحليل،...أما المنددون بما ذهبت إليه، فهم في الغالب الأعم، سلفيون من مدارس مختلفة.
يتلخص جوهر الاعتراض السلفي على المقال، في كونه «أخفق في التمييز بين مدارس السلفية المختلفة»...فالمقال وفقاً لمنتقديه، وضع الجميع في سلة واحدة، ولم يميز بين سلفية جهادية وأخرى علمية وثانية إصلاحية وثالثة تقليدية ورابعة إحيائية إلى غير ما في قاموس السلفية من تسميات وتصنيفات، حتى أن بعض التعليقات استكثرت على المقال وصف «الجهاديين» بالسلفيين أصلاً، فهؤلاء لم يكونوا يوما تلاميذ في هذه المدرسة أو أتباعاً لأساتذتها وشيوخها.
نحن من جهتنا، نرحب دائما بالتعليقات على ما نكتب، سواء ما اتفق منها معنا أو ما اختلف، ولا يسوءنا أو يسيء إلينا، سوى نابي الكلام والنقد المبطن بالتهديد، ودون ذلك، نحن دائما منفتحون على الآراء، كل الآراء، بما فيها تلك الأشد خلافا واختلافا مع ما نذهب إليه عادة.
ولمن ساءه من السلفيين مقالنا، نقول أن غرض المقال، لم يكن التعريف بالسلفية وعرض اتجاهاتها وتياراتها...وكاتب هذه السطور ليس معنياً بمنح شهادات لهذا الفريق أو حجبها عن ذاك...كل التيارات السياسية والفكرية أخرجت المنشقين عنها عن «الملة»...كم مرة سمعتم شيوعيين يخرجون زملاء لهم من «جنات الماركسية – اللينينة»...كم مرة استمعتم لإسلاميين يكفّرون إسلاميين...وقوميين يطعنون بقومية قوميين آخرين...هذه شيمة جميع المدارس العقائدية، والدرس المستخلص من تجربة عشرات السنين يقول لنا: لا تأخذوا بـ»حروب الإخوة الأعداء وتصنيفاتهم»، نحن نحاكم الناس وفقاً للمواقع التي يضعون أنفسهم فيها، وهؤلاء وضعوا أنفسهم في قلب المعسكر السلفي، وليس لنا أن نقول لهم اخرجوا من هذه «الجنّات» ملعونين ؟
.
والحقيقة أننا راقبنا تبدلات بعض رموز السلفية وتقلّباتهم بين المدارس والتيارات...رأينا بعضهم ينقلب على بعض بين عشية وضحاها، وينتقل بلمح البصر من منبر الوعظ إلى خندق الجهاد...رأينا الفتاوى تتطاير في غير اتجاه ووجهة.
لكننا مع ذلك، لا نريد أن نضع الجميع في سلة واحدة، ولا ننصح أن يؤخذ زيد بجريرة عمرو...فلا تزر وازرة وزر أخرى...والذين أشهروا السيوف والخناجر ليسوا كمن يشهر الكتاب والكلمة الطيبة والموعظة الحسنة...وبصرف النظر عمّا إذا كانت الكلمة طيبة والموعظة حسنة فعلا...المهم أنها سلمية، ولا تقوم على الجبر والإكراه.
أياً يكن من أمر، فإن مشكلة السلفيين مع تيارٍ منهم: الجهادي، هي كمشكلة الإخوان المسلمين مع القاعدة...نحن نعرف أنهم ليسوا شيئاً واحداً، ولكن صمت هؤلاء على أولئك، يعطي الانطباع بالتواطؤ في كثير من الأحيان، بل ويثير أسئلة عن حجم الاختلاف والتباين بين هذه المدارس، خصوصا حين يصر هؤلاء المتعفّفون على «رؤية الجوانب الإيجابية» عند التيارات الأكثر تشدداً وعنفيّة...ولعل هذه النقطة بالذات، هي واحدة من أخطر «المناطق الرمادية» في خطاب كثير من الحركات الإسلامية.
إن كان السلفيون منزعجين إلى هذا الحد من محاولات «خلطهم» بما يسمى «السلفية الجهادية»، فليس أمامهم سوى أن يقوموا هم أنفسهم بتبرئة أنفسهم من «شر أعمال» هؤلاء، والتصدي لهم سياسياً وفكرياً و»شرعياً»...عندها وعندها فقط، لن نقارف خطيئة الخلط بين الزيت والماء.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة عريب الرنتاوي جريدة الدستور
login |