لم تَحُل عطلةُ نهاية الأسبوع، دون قيام زملاء أتراك بإمطاري بوابل من الرسائل القصيرة والطويلة، عبر الهاتف والبريد الالكتروني، تحفل جميعها بمشاعر الصدمة والاستياء من مضمون مقال نشر على الصفحة الأولى لجريدة "راديكال" التركية.
المقال حمل بشدة على التجربة الديمقراطية التركية، وسخر من "قوة النموذج التركي" ومهندسه رجب طيب أردوغان، مثلما حمل على السياسة الخارجية التركية ومهندسها الدكتور أحمد داود أوغلو.
الغريب أن المقال حمل توقيعي، وبـ"البونط العريض"، علماً بأن المقال المترجم إلى التركية والمنشور في "راديكال"، جاء متعاكسا مع كل ما كتبته عن التجربة والسياسة الخارجية التركيتين.. الأمر الذي أصابني بالدهشة والاستياء الشديدين.. فطفقت أبحث في دهاليز القصة وخفاياها وما ورائيّها.
لجأت إلى "غوغول"، الصديق الصدوق، الذي أعانني على ترجمة المقال من "التركية" إلى العربية، فاستطعت أن "اتعرف" على فحواه.. ذهبت إلى مصدر القصة، فإذا به صحيفة الوطن السورية التي يقال أن مقربة من النظام السوري، وقد صدرت يوم الخميس الفائت بمقال تحت عنوان (سوريا وتركيا و"نموذجها") بقلم الزميل السوري نزار سلّوم.. وهو المقال الذي اكتشفت في سياق بحثي وتنقيبي، أن صحفاً عربية عدة قد تناقلته تحت عنوان: "أعنف هجوم سوري على تركيا"، وبوصفه دالاًّ على الانهيار المتسارع لجسور العلاقة بين دمشق وأنقرة.. أنظروا بالله عليكم، أعنف مقال نقدي ضد تركيا وأردوغان وأوغلو، يعاد نشره في أنقرة، وبلسان تركي مبين، وبتوقيع العبد الفقير، كاتب هذه السطور؟
. علماً بأن المقال السوري في طبعته الأصلية، جاء خالياً تماماً من أي ذكر لي.
اتصلت بالصحيفة التركية، وبعد جهد جهيد، تم إيصالي بالسيدة المسؤولة عن "ديسك الشؤون الدولية".. التي أبدت تفهماً وتعاطفاً معي في هذا المحنة.. أعتَذَرَت ووَعَدَت بتصحيح الموقف، طلبت بريدي الالكتروني لموافاتي بكل جديد. الزميل عمر خشرم من مكتب الجزيرة في أنقرة بذل مساعي يشكر عليها لتوضيح الصورة.. الأصدقاء الأتراك، بعضهم على الأقل، كان نشطاً في نقل توضيحاتي للصحيفة، طالباً الاعتذار والتوضيح.. الصحيفة صدرت في اليوم التالي، دون اعتذار أو توضيح.
نسخت المقال، وأرسلت به إلى كل من طالهم بريدي الالكتروني ورسائلي القصيرة من أصدقائنا الأتراك.. الزملاء في مكتب الجزيرة في العاصمة التركية، لم يقصروا جزاهم الله خيراً.. الأصدقاء في مؤسسة البحوث السياسية والاقتصادية والاجتماعية، الزملاء في مركز الدراسات الاستراتيجية التابع لوزارة الخارجية، الصديق الدكتور إبراهيم كولن مستشار الوزير، وآخرون، كان لكل منهم إسهامه في كشف الطابق وتتبع المسألة.
كيف يمكن لخطأ من هذا النوع أن يحدث؟.. تساءلت بيني وبين نفسي، وسألت بعض الأصدقاء والمعارف.. بعضهم رجّح نظرية المؤامرة كالمعتاد، ولكن من ذا الذي يريد أن يتآمر عليّ، وما الهدف.. البعض قال أن في الأمر شبهة استخبارية هدفها البرهنة لتركيا أن أجواء الغضب من سياساتها حيال سوريا، قد طاولت العالم العربي، ولم تبق حبيسة الإطار السوري فحسب، لافتين إلى تقارير ومقالات تتطاير عبر الانترنت بتواقيع مختلفة ومُختَلَقَة.. ودائما لتحقيق الهدف ذاته.
التفسير الأكثر ملاءمة، أو الخبر الجيد الوحيد، وسط هذه الأنباء السيئة، هو اكتشافي بأن جريدة "راديكال" كانت اعتادت أن تترجم مقالات لي منشورة في زاويتي اليومية في صحيفة الدستور، وأن الجريدة تحتفظ بأرشيف لهذه المقالات على موقعها الالكتروني، وأن المحرر المسؤول عن الترجمة، كان قد فرغ من ترجمة ونشر مقال لي قبل أيام عن سوريا وتركيا والتطورات الأخيرة.. وأن الخطأ وقع هنا، إما بفعل "القص واللصق" أو لأن الاسم ظل عالقاً في ذهن المحرر.. خطأ من هذا النوع، تسبب في الإساءة لموقفي وصورتي لدى العشرات من الزملاء والأصدقاء الأتراك ولمدة يوم كامل.
وللبحث صلة، إلى أن تصدع الجريدة لحقي الأدبي والقانوني في الاعتذار والتوضيح، وإلا فإن الكلمة الفصل، ستكون للقضاء التركي، العادل والنزيه.
المراجع
addustour.com
التصانيف
صحافة عريب الرنتاوي جريدة الدستور
login |