*  تقديم:
في ظل مواكبة تطور المعرفة الإنسانية بجل علومها وتكنولوجياتها، ازداد الاهتمام بالترجمة يوما بعد يوم لتزداد الدراسات حول قضايا الترجمة وأبعادها والتباساتها؛ ومن أجل تفسير ارتباط الإنسان في كينونته بالتواصل والترجمة الذي يؤدي إلى حوار الثقافات والحضارات .
إن الترجمة هي بوابة عبور الذات نحو معرفة الآخر، حيث أنها تعمل على تيسير التنمية البشرية والمعرفة العلمية ونقل التكنولوجيا للاستفادة من علوم الآخر وتقنياته من أجل ترقية أسمى لحياة الإنسان.
تقوم الترجمة بتسليط الضوء على الآخر لنتعرّف عليه أكثر ويساعدنا على معرفة ذواتنا، لأنه لا يمكن أن ندرك ذواتنا ما لم نعرف الآخر، فبالآخر تتحدد الأنا.والترجمة تعمل على إحداث نهضة ثقافية بنقل مفاهيم ثقافية ما وعلومها وتقنياتها إلى ثقافة أخرى، وعليه تسعى الترجمة في الواقع العربي إلى صدارة العالمية، بحيث نجد للترجمة مكانة متميّزة بين العلوم والآداب وكما أنها تشهد اليوم تطورا ملحوظا تعبّر من خلاله عن دورها الريادي في تعميق عملية التواصل والتفاعل الثقافي .
بالعلم أن الترجمة عملية قديمة قدم الإنتاج البشري والتغلغل الثقافي الإنساني والحضاري المتفاعل. ومن أبرز المظاهر الثقافية والمعرفية لميدان الترجمة هو الاشتغال على ظاهرة النصوص التي أصبحت من خلاله رهانا للحفاظ على آلية النص الأصلية وخاصيته القومية والفكرية . وعليه انصبّ الاهتمام بالنص المترجم الذي هو نهاية العملية الترجمية بما انه يعتمد منهجية النسق المتعدد الذي يجعل منه وجودا مستقلا داخل الثقافة ، إذ أن فعل الترجمة وتأثيرها يخضع لحركية النسق الثقافي.فممارسة الترجمة تعتمد طرائق وتقنيات خاصة كالتلخيص والترجمة الحرفية والترجمة بالمعنى والترجمة بإعادة الصياغة أو بتعديلها.
ولهذا عرفت الترجمة تحولا خصبا في الدراسات باتجاهاتها الأساسية مثل: سيميوطيقا الترجمة، هرمينوطيقا الترجمة وشعرية الترجمة . ويبدو أن الاتجاه الأخير هو الأقوى.إذ نجد [هزي ميشونيك] وهو منظر هذا الاتجاه ، يقوم بنقد شامل للنظريات والممارسات الترجمية السائدة وذلك من خلال خمسة محاور:
1"- الانتقال من الفعل الترجمي على مستوى اللغة إلى الفعل الترجمي على مستوى الخطاب. فالترجمة ليست فعلا مجردا – كما يؤكد ميشونيك- بين لغتين، بل هي علاقة محددة تاريخيا بين خطابين: خطاب المؤلف وخطاب المترجم.
2 - الانتقال من التعامل مع ملفوظ لغوي في اللغة المنقول منها إلى التعامل مع تلفظ حي لمتلفظ معين.
3 - الانتقال من ادعاء ترجمة المعنى الذي يتضمنه شطر النص إلى المعنى والشكل أو إلى مضمون وصياغة مفهوم "الإيقاع" باعتباره نظاما للخطاب الشامل ومبدأً تلفظيا لا يفصل بين المعنى والشكل.
4 - الانتقال من الفعل الترجمي كنقله من لغة إلى لغة إلى الفعل الترجمي ك :"علاقة " ينبغي أن يعكسها النص المترجم.
5 - الانتقال من التاريخية التي تنفي الذات المتلفظة في النص، إلى التاريخية التي تنطلق من مبدأ أن الخطاب هو تذويب للغة، وأن المترجم ينبغي أن يترجم انطلاقا من هذه التاريخية المطلقة للنص".[1]
          وعلى أساس التفاعل الثقافي وتطور الدراسات على مستوى تغطية العملية الترجمية للارتقاء بحوار حضاري ، سعت معظم الأبحاث إلى رصد مبادئ عامة للترجمة من خلال عملية التنظير لها وذلك كشفا عن بعض التقنيات التي تحفّز على نجاح تلقي النص المترجم.
حيث نجد أن نظريات الترجمة الحديثة مثلا، تتجه نحو توظيف القدرات والسّبل التي تساعد على إعطاء النص المترجم نوعا من التكافؤ والملائمة. إذ ينبغي على المترجم تحقيق هذا الهدف أي جعل القارئ يتلقى النص المترجم بطريقة فيها انسجاما مع جل معطيات الترجمة.
ومن بين هذه النظريات نذكر على سبيل المثال:
"طبيعة المعنى اللغوي والتكافؤ عند رومان جاكوبسون (Jakobson 1959-1992) الذي صنّف أنواع الترجمة إلى ثلاثة: الترجمة ضمن مجال اللغة الواحدة (intralingual)؛ الترجمة بين لغتين مختلفتين (interlingual)؛ والترجمة بين أنظمة التخاطب المختلفة كنقل الرموز المنطوقة بواسطة رموز غير منطوقة (intersemiotic). وجاءت ملاحظته الهامة على مجريات عملية الترجمة  لتوضّح أن "اللغات تختلف بشكل أساسي فيما يجب أن تنقله وليس فيما يمكن أن تنقله " وهذا ما يجعل الترجمة الحرّة تفوق الترجمة الحرفية وتبيّن ماهية الاختلاف وأفضلية انتهاج أسلوب المترجم أصلاً.
علم الترجمة عند نايدا (Nida 1964): يعدّ نايدا من أبرز المفكرين في علم الترجمة وتطبيقاته؛ فقد عمل في حقل الترجمة الدينية (الإنجيل) كنوع بارز من أنواع الترجمات وبحث في تعريف طبيعة الترجمة والمعنى اللغوي من بين الأنواع الأخرى للمعنى، كما وضّح الفرق بين التكافؤ الشكلاني (Formal Equivalence) والتكافؤ الديناميكي (Dynamic Equivalence)؛ ثمّ أنّه ناقش أهمية دور المترجم في عملية الترجمة وكذلك مبادئ التكافؤ وتقنياته وإجراءات عملية الترجمة ولا سيمّا تطبيقها على النصّ الديني (الإنجيلي)."[2]
ومن أجل الارتقاء بعملية الترجمة إلى المستوى العلمي وتحقيق مشاركة حوارية فعّالة من خلال النص المترجم، انصب اهتمام البحوث الدراسية حول عملية التنظير للترجمة لتصبح علما مستقلا قائما بذاته.
وعلى هذا الأساس قمنا يتقديم قراءة وصفية لمحتوى كتاب يحمل شروحا نظرية للعملية الترجمية  من خلال نموذج تأويلي. صدر حديثا عن دار هومة كتاب [الترجمة اليوم والنموذج التأويلي ] من تأليف مريان لوديرار، ترجمة نادية حفيز
 La traduction aujourd’hui;Le modèle interprétatif " Marianne Lederer :
من هي مريان لوديرار؟
ماريان لوديرار مديرة المدرسة العليا للمؤولين والمترجمين ( (ESIT،وأستاذة في جامعة  السربون، باريس الجديدة، بعد أن سيّرت معهد اللغات الأجنبية التطبيقية((LEA  
بجامعة باريس  .XII إنّ معظم بحوثها النظرية في ميدان الترجمة الشفوية والكتابية  هي  مؤسسة على تجربة تطبيقية. ومن بين مؤلفاتها نجد؛ الترجمة الفورية: ترجمة ونظرية عند مينا رد، رسائل عصرية في عام1981.  كما أنها مؤلفة مشاركة coauteur لمؤلفين التأويل والترجمة  عام1984  والبيداغوجية القياسية للتأويل في عام 1989 .
يقدّم الكتاب لقارئه تأملات مستبصرة في طبيعة مفهوم الترجمة وأنواعها، اللغة والتواصل عبر الثقافات، إذ نجد الكتاب يتتبع مفاهيم الترجمة وأنواعها والحوافز المساعدة على إتمام العملية المعرفية بأحسن طريقة في إعداد صياغة لغوية فنية وإبداعية.
 ما معنى الترجمة؟ بالنسبة لجاهل أصول الفن هي إيجاد طريقة انسجام في التواصل بلغة أخرى، أما بالنسبة للممارس والمترجم فهي فهم معنى النص الأصلي وإعادة صياغته .
يصف هذا الكتاب السيرورة الثلاثية للترجمة وهي: الفهم، الاشتقاق deverbalisatoin  
وإعادة تعبير المعنى.في سيرورة الترجمة، اللغات هي في الواقع حوامل للمعنى وليست مواضيع للترجمة.
إن اختبار ترجمة النص يكشف بعض وجود تواصل الكلمات ولكن المهم هو أن يتألّف من تكافآت للخطاب. كما أن هذا الكتاب يدرس كذلك مجموعة التباسات تعيق الممارسة: الاختلاف بين الترجمة في المعهد البيداغوجي والترجمة المهنية والترجمة إلى اللغة الأجنبية والترجمة الآلية بالنسبة للترجمة الإنسانية.
أشارت الكاتبة في المقدمة إلى دور الترجمة ومساهمتها في تكثيف سلسلة المنشورات ورأت في إضافة هذا الكتاب الخاص الذي يُدرج الترجمة إلى هذه السلسلة، حيث ترى أن هذا العمل يتميّز بالشمولية المستقلة، إذ تعتبر أن الترجمة هي بحث عن المعنى وإعادة التعبير وهما القاسمان المشتركان لكل ترجمة. وأن الطريق المؤدي نحو الترجمة الناجحة يقتضي تفسير نصوص واستيعاب معارف إضافية غير لغوية.
جوانب نظرية للترجمة:
ماهي الترجمة؟
أكدت الكاتبة أن النظرية التفسيرية  ترى بأن العملية تحتوي على فهم النص الأصلي و إزالة شكله الشفوي و أن المترجم يعبر عن أفكار لا مفهومة  و على شعوره المحسوس حيث يُرى النص المترجم منذ البداية على أنّه غامر بالأخطاء إلى غاية أنه يبدو غير واضح أحيانا إذ لا نستطيع أن نترجم مباشرة من لغة إلى لغة .
في الفصل الأول:ذكرت الكاتبة الأصل الشفاهي للنظرية التأويلية حيث ترفض فيها بعض الثوابت التي عيبها أن الترجمة الآلية تنطلق من مشاكل تصادفها لتفرض نفسها على ميدان الترجمة الإنسانية.
في الفصل الثاني: تقدم الكاتبة ملاحظات أكثر واقعية و أمثلة عديدة في ازدواج طبيعة الترجمة:
تعادلات و تطابقات، حيث كانت موافقة مع ما اقترحته (ادموند كاري) عند تحديده للترجمة وهو :(أنّ  الترجمة هي العملية التي تبحث عن جعل تعادل بين نصين معبر عنها في لغات مختلفة، تكون هذه التعادلات دائما تابعة لطبيعة النصين لغايتهما و للعلاقات الموجودة بين ثقافتي شعبين و بين جوّهما الأخلاقي و الثقافي و العاطفي و هي تابعة لكل الاحتمالات الخاصة بالعصر و بمكان الذهاب و الإياب).
في الفصل الثالث: اهتمت الكاتبة بتحقيق موقف الترجمة من الألسنة و اللغات الأخرى .
I -/- التأويل للترجمة:
إن فعل الترجمة يحتوي على فهم النص ثم يحتوي في مرحلة ثانية على إعادة التعبير عن هذا النص في لغة أخرى، وكل هذه العمليات تستحق دراسة خاصة لأنها معقدة تعقيدا مهما .
و يتطلب الفهم معلومات لغوية و غير لغوية.
تتوقف نوعية إعادة التعبير على درجة معرفة لغة الوصول و على الموهبة التي تجعل المترجم يمارس الكتابة.
إنّ النص بالنسبة للمترجم هو متكوّن كليا من معلومات لغوية و غير لغوية كون النص موضوع الترجمة و أساس وجودها .
1-1- المستويات الثلاثة للترجمة:
ذكرت الكاتبة مثالا مأخوذا من نص (آرث بوشوالد) وهو يتوج هذه المستويات المختلفة و تأثيرها على الترجمة وهو:  You pay her ?  . وسنتأكّد من خلال الدلالة
المعجمية والتي هي مستوى اللغة خارج الاستعمال. بالترجمة التالية:
 You= vous ;tu ;te ;toi…------------ أنت ،أنتم،                       
Pay= payer ; rétribuer ;rémunérer.------ دفع، كافأ، جازى.      
Her= la ;l’ ; lui : elle.-------------------ها، ه، هو، هي.         
ومن خلال تدخل السياق الكلامي يمكن تحديد عدد التطابقات الممكنة على مستوى استخدام لغة حيث يمكننا ببساطة معالجة مفهوم الكلام عند(سوسور).
بالتالي يتحصل على الترجمات التالية: هل تدفعها؟(كافأ و جازى). و أنت تدفعها؟ و هنا لا يتدخل أي سياق آخر سوى الشفاهي.
إن دلالية الكلام على مستوى النص تكملها المعرفة العامة و السياقية للمترجم .
تنتج إزالة السياقية شكلا من الترجمة الحرفية التي يذمها الجميع و لكن الكثير يمارسها.
تحت تسمية الترجمة اللغوية،الجمع بين ترجمة الكلمات و ترجمة الجمل خارج السياق تسمي الترجمة التفسيرية.
مثلا ترجمة الخطب تستدعي معلومات أكثر سعة من تصنيفات السمات اللغوية و تفرض على المترجم مسعى تأويليا.
1-2- التأويل:
ترى الكاتبة أنّه يستحيل إنجاز ترجمة دون استحضار التأويل.
ترجع كلمة تأويل إلى كيفية عمل  المترجم و إلى فهم النص الأجنبي لعمق
و تصحيحه بوضوح.
كما أشارت إلى مؤلف(استينار جورج) المتمثّل في "أشكال اللغة و الترجمة" عندما قارن بين الألفاظ الفرنسية و الانجليزية و الألمانية لاحظ غموض في كلمة (مترجم فوري) فيقول أنه بالألمانية هو وسيط يترجم ملفات تجارية و أسئلة للمسافرين الأجانب و المؤتمرات الدبلوماسية و السياحية.
أما بالفرنسية فهو السيد الذي يساعد في البنك،  الإدارات أو في وكالات السفر و هو أيضا المفسر. فيرى [ج استينار] أن سر نقل المعنى هو جوهريا النقل ذاته مهما كان نوع الترجمة و يرى أن المظاهر الدلالية على المستوى الأعلى تكشف جيدا المشاكل النظرية و التطبيقية للترجمة و تربطها ربطا حميما بالظواهر العامة للكلام و الفكر .
1-3- الشفاهي و الكتابي:
سبق إلى هذا المسلك (ايد موند كاري) في كتابه "نيل الكلام" و هو من الدارسين الأوائل للترجمة كان يشعر بالفرق بين القول المحجز للنص و الطابع الحي و الكامل للخطاب حيث قال :1962 ( يكتسي  الكلام الملفوظ وحده كمال الكلام الإنساني إنّه لبتر الإنسان إذا ما كان الاهتمام إلا  بما تجتذبه الورقة المطبوعة). فالمترجم مطالب بأن يجد نفسه الإنسان الذي يعيش ويفكر ويتكلّم ، وهو حاضر عند حالات البث والتّلقي .فالخطيب يشعر بحضور مستمعيه فيكيّف لهم التعبير عن فكرته بالتالي العلاقة هنا هي بين الفكر والتعبير عنه.
وفي انتقال [إدموند كاري[ من الشفاهي إلى الكتابي يقول: بتساؤل؛ هل يجدر بنا أن نتذكر دائما أن النص المكتوب ما هو إلاّ مومياء، نسخة خاطئة ومجزأة من الكلام الحي للمؤلف؟ ويقول إنه لخطاب جُثّْي وعبارة مشلولة. كما قال أفلاطون [ألا يجدر بنا أن نشعر دائما بالحزن للخطاب الكتابي الطويل، حيث أن كل مرّة يصادفنا السؤال:ماكان يقصده المؤلف الذي لا ألتقي منه هنا إلا رسالة مبتورة].
فالنص المكتوب ما هو إلاّ فعل اتصال كتبه مؤلف وهو يقصد قرّاء. الكلام يزول والكتابي يبقى؛ بمعنى أن الشفاهي يغيب مع مدلولاته ولكن تبقى معانيه في ذاكرة المرسل إليه. فإذا كنّا أوفياء للغة، فإننا بطبيعة الحال أوفياء للنص. ويكون الفهم في الشفاهي كالكتابي هو التأويل، ويكون المسعى من النص إلى المعنى ومن المعنى إلى نص جديد هو نفس المسعى من الخطاب إلى تأويله.
1-4-الأصل الشفهي للشرح التأويلي للترجمة:
الخطاب هو تعبير شفوي ناتج عن إرادة القول، وهو يظهر تدقيقا للفكر غير الشفوي الذي يتشكّل بتتابع ما يسجّله المتكلم من إنتاج أثر على المستمع، وعليه تكون حالة الاتصال بكامل أجزائها الحاضرة والتي تتقاسم فيما بينها الإدراك باللحظة وبظروف البث وتلقي الخطاب ومعرفة الموضوع.
فالمترجم الجيّد قادر على فهم المعنى الكلّي للخطاب وعلى نقل كل من :
* الترجمة المتعاقبة: حيث يدوّن المترجم بعض النقاط حينما يتكلّم الخطيب؛
* الترجمة المتزامنة: أين يكون المترجم في غرفة يستمع إلى الخطيب  من خلال سماعات ويترجم بتتابع الخطاب تدريجيا.
*الترجمة المنقّحة: بالتدريس التي يمكنها أن تستخلص المفاهيم الأساسية للنظرية التأويلية.
ففي عام 1956 عندما افتتح [الإيزيت] كان مترجموا المحاضرة قد طبقوا في تدريسهم للترجمة المبادئ التي استخلصوها من تجربتهم، فكانوا يقدّمون لطلابهم نصائح تجربتهم مثلا: (لا تحاولوا أن تترجموا، قولوا ما تفهمونه، وللفهم فهما صحيحا، انتبهوا إلى جودة  تعبير الخطيب وفكّروا في المتلقي الذي يوجّه إليه وفي الظروف التي يتكلّم فيها ...) .
فكان هؤلاء الطلبة مجبرين على التأويل وكانوا قد فهموا معنى التأويل أثناء الممارسة.
وكان التيار اللغوي السائد آنذاك لم يهتّم بالظاهرة الكلامية، كان علم النفس التجريبي يخدم أحداثا سطحية بعيدة كل البعد عن واقع الخطب الأصلية. فعلم النفس الوراثي هو أقرب الطرق النفسية التي يستعملها المترجم.
كما سيبيّن علم النفس العصبي يوما طبيعة الذاكرة التي تحفظ المعاني غير الشفوية وتكوّن أساس التأويل. إن دراسات الترجمة المعاصرة كانت متعلّقة جوهريا بالألسنية المقارنة وكانت تغضّ النظر عن المترجم.
فالمترجم أثناء عمله يبدو أكثر تركيزا وأقل تعلقا بالأمر من مستمع عادي، إذ يجب عليه أن يفهم ويتذكّر كل الفوارق للمعنى وكل التأثيرات العاطفية للخطاب ويكون التفكير المعبّر به في العملية ليس تفكير المترجم الخاص . بالتالي ليس عليه أن يحكم على صحة وأهمية الكلام الذي يترجمه، بالتالي فهو يدرك الآليات العقلية المعتادة للفهم أنّها تتصرف كي يعيد قول ما فهمه ونتيجته تبيّن: أن التأويل يفتح بابا كان إلى حدّ الآن مغلقا عن نشاط العقل.
إن الترجمة التأويلية تعطي نظرة عنها، حيث أن المترجم لا يترجم كلمات وإنّما المعنى. وهذا كان من آراء مترجمي المحاضرة أثناء مؤتمر جمع مترجمين ولغويين وعلماء النفس وعلماء النفس اللغوي بالبندقية عام 1977 تحت رعاية حلف شمال الأطلسي.
إذن المترجم لا يترجم الكلمات بل معناها الذي كان يفهمه والذي يتجاوز المدلولات المعجمية أو النحوية للجمل تجاوزا بعيدا. إنّ المعنى هو أيضا المشكل المركزي للترجمة على الرغم من ظروف الإنتاج والتلقي المختلفة.
1-5/- ما التأويل؟:
5-1/فك الشكل الشفوي:
في البنية الشفوية للكلام،إجمالا، نتذكّر العرض الذي قدّم لنا ولكننا ننسى أغلبية الكلمات التي لُفظت، حيث في هذه البنية تنمحي علامات الخطاب مع نبر الصوت ولكن المستمع أو المترجم يحافظ على ذكرى الفك الشفوي وحالة الوعي بالفكرة.
إن المترجم الذي يتمكن من حفظ كل فارق للمعنى ومن إعادة التعبير للخطاب في لغته الخاصة يستخدم قدرة عامة وهي تحتوي على حفظ ما يفهم عندما تختفي الكلمات بالتالي هو يقوم بفك الشكل الشفوي.
إذن فك الشكل الشفوي هو طريقة إدراكية يعرفها الجميع:المعطيات الحواسية عندما تتلاشى وتصيد معارف مجددة من أشكالها الحسّاسة ونسميها الذاكرة الإدراكية.
5-2/ المعنى:
أشارت الكاتبة إلى كتاب [ جون بول سارتر] بعنوان "ما الأدب" أين يذكر:
 أن المعنى غير موضوع منذ البداية موضع الكلمات لأنه يسمح عكس ذلك بفهم المدلول، والموضوع الأدبي مهما تحقق خلال الكلام، فليس المعنى مجموعة كلمات وإنّما هو الكل العضوي.
فالترجمة التأويلية ترى أن المعنى هو مجموعة مفككة للشكل الشفوي وهو محكوم بجمع معارف لغوية. فالظاهرة ليست محدودة بمستويات الفكر والفن أكثر مما هي مرتبطة بقرة ذاكرة عجيبة. وهذه الظاهرة ترافق دائما الإدراك الحسي للسمات اللغوية وهذا ما يسميه [جان بياجي] في شروحه بالانتشار الواعي  .
الترجمة التأويلية حسب ما ذكرت الكاتبة هي إدراك المعنى المجرّد لشكل ما، شفويا كان أم مجازيا، فهي تسمح بإدماج الإدراك الحسي والتي تكوّن في منظورنا انتشار الوعي.
فالمعنى هو حالة من الوعي هو الرغبة في القول خارج عن اللغة، وسابق لتعبير المتكلّم ولاحق لتلقي الخطاب عند المتلقي.وبث هذا المعنى يقتضي جمع فكرة غير شفوية بإشارة سيميائية. ويقتضي تلقي المعنى عملا اختياريا للمتلقي حيث أننا نرى في تنسيق الكلمات معالم يستمدّها المعبٍّر عنها في اللغة.
ذكرت الكاتبة أنّ [سلسكوفتش]تحدّد  المعنى في الترجمة بين التفسير والألسني قائلة:" إن معنى جملة هو ما يريد أن يعبّر عنه المؤلف عمدا، ليس هو الحجة التي من أجلها يتكلّم ولا أسباب ما قاله . فالمترجم الذي يتكلف التفسير والتأويل ينهك حدود وظيفتها".
5-3/ التقاط المعنى:
 يلتمس مرحلتين في فهم النصوص:Sperberإن المؤلف [دان سبربار]
 تقتضي الأولى فهم لغة النص؛ والثانية تستدّل المعنى بمساعدة معلومات غير لغوية.
إن عملية الاستدلالات المنطقية عملية تتراوح من فهم المعاني إلى استنتاج المعنى في مرحلتين فليس التقاط المعنى نتيجة مراحل متتابعة، وإنما هو المسعى الوحيد للفكر.
إننا لا نفهم النص في أوّل الأمر على مستوى اللغة ثمّ على مستوى الخطاب ولكن نفهمه دفعة واحدة على مستوى الخطاب.
إن كل من الإدراك والعاطفة لا ينفصلان في لحظة انبثاق المعنى والدلالة فنحن عندما نقول كلمة تستيقظ فينا ذكريات متعددة.
5-4/ وحدات المعنى:
وحدة المعنى هي أصغر عنصر يسمح بإنشاء تعادلات في الترجمة وبالتالي ماهي إلا تطابقات وأبعد من ذلك فهي تركيبات ومختصرات أو اطنابات . وهي توجد على مستوى الخطاب وهي تصور ذهني.
مثلا في الترجمة المتزامنة: نسجّل حضور وحدات المعنى الواعية حيث نجد المترجم يتراجع كل مرّة بعدها حرفيا بضعة كلمات على الأقل.
1-6 الكتابي: 
تتحرّك نظريات الترجمة بين قطبين:
البعض يجهل كيف يفسّر لأن المعنى متباعد يتعرّض بسهولة إلى تأويلات تعسفية. إنّ الترجمة اللغوية تفسد المؤلًّف الأصلي ويتعذّر أن تقدّم نموذجا. لأن كل ترجمة لغوية تعطي فكرة خاطئة عن أسلوب اللغة الأصلية.
مهما كانت اللغات، فالصعوبة التي تقدّمها الترجمة اللغوية بعيدة عن كل كلمة أو أسطر تبيّن دور المعارف اللغوية الإضافية ليس فقط عند فهم النصوص وإنّما في إعادة التعبير عنها أيضا .  إنّ  البحوث التي أنجزت حول الترجمة برهنت بأن ترجمة اللغات غير ممكنة دون سند معلومات إضافية بمعنى توفير سياقات تسمح بإجراء ترجمة تفسيرية للنصوص.
لقد اهتمت الألسنية بمشكلة الالتباسات اللغوية في الترجمة، فعلى مستوى اللغة تجرّد كلمات وجمل معزولة من الملحق الإدراكي الذي ينقله القارئ للنص ومن بين هذه الالتباسات اللغوية في الترجمة نجدها راجعة إلى تعدد معانم الكلمات كلمة واحدة لها عدّة معاني. فإن أي قطعة لغوية بسيطة أو معقّدة ترضي بتأويلات عديدة .
فالالتباسات  إذن هي مشكلة اللغة وليست مشكلة نصوص بالنسبة للمترجم الباحث عن المعنى وحالته حالة القارئ المهتم بالمحتوى.
1-7/ الإدراك:
يستدعي فهم النص كفاءة لغوية موسوعية معا، فالإدراك هو نشاط إجمالي  للظاهرة من خلال :
- إدراك المكوّن اللغوي: إن فهم التصريح اللغوي لنص ما هو معرفة لغته. وأن المعارف اللغوية للمترجم هي جزء من ثقافته الإدراكية وهي طبعا ضرورية لفهم النصوص ولإعادة التعبير عنها . وعلى المترجم أن يميّز بين معرفة اللغة الأم وبين معرفة اللغة الأجنبية .إذ تسمح هذه المعرفة بفهم نطق أهلّي وبفهم غير متردد لكل المركبات النحوية للنص .وهكذا تكون اللغة الأجنبية مفهومة كما تُفهم اللغة الأم.
مايهم في دراسة طريقة الترجمة على المستوى النظري هو أن تبعد المشاكل ذات الطابع اللغوي والتماس معرفة لغتين لعدم التعرض للخطأ. والتمكن الجيّد من لغة الوصول يسمح بإعادة التعبير المناسبة للمعنى.
7-2/ فهم الضمنيات:
يضم الفهم كلا من المفترضات والضمنيات التي يمكننا أن نربطها بلفظ عام وهو الضمنيات التي لها أهمية التأثير على معنى النص.
في مؤتمر فهم الكلام الذي أُقيم في 1980 وصف[كاترين كربرات] الطريقة التي بها يستخرج متلقي بيان بعض الأخبار الدلالية إذ ترى أن في العملية الترجمية نستعين بكفاءات لغوية وإضافية معا.
فمثلا الجملة التالية:
Pierre a cessé de fumer   ــــــ بيير توقّف عن التدخين         هذه الجملة تحمل بيانا قادرا على نقل الأخبار الآتية : بيير لا يدخن حاليا/ بيير كان يدخن آنفا فهو مدرج في حالة تبقى مفترضة ولكنّه يلتمس مستوى الخطاب ومن بين ضمنيات هذا الخطاب: مستحب أن تفعل مثله ؛هي النواة التي تقدّم الاندفاع اللازم لإنشاء القول. لأنها مهمة وتعدّ جزءا من المعنى.
إنّ ظاهرة التضمين عامة فالمترجم يقوم بتنسيق الضمني والبيّن لفهم النصوص.
 7-3/الملحقات المعرفية:
المترجم الذي يفهم المعنى ليلحق بإرادة وقصد قول المؤلف يجب أن يكون له الرغبة في فهمه وأن يكسب معلومات مناسبة. فبمجرد أن يكون المعنى منقولا بالترجمة فإنه يقدّم للقارئ بدوره إمكانية الحكم على النص المترجم وعلى دقّة حجة النص.
فالمتكلم شفويا أو كتابيا يستعمل مجموعة معلومات متنوعة غير معبّر عنها.
ففي عام  1971 كتب [فرُنسوا رشودو]: غالبا ما تكسب كل كلمة معاني عديدة يتعلّق اختيار المدلول الخاص بالنص المقروء بكلمات الجملة التي تحيط بالكلمة المعيّنة.
وهناك من يرى استدعاء عناصر إدراكية وتدخل السيّاق لفهم النصوص .ففي عام  1989 يكتب [جان فرنسوا لوني] أن الفهم هو إنتاج مزدوج لعنصري إعلام يخدمان معا النص والبنى الإدراكية.
فقد عرف المترجمون أن كلمات المؤلف مشبعة بفكره ومشحونة به ضمنيا ولا يمكن التوصل إليها إلاّ بفضل فهم حميمي للسياق كلّه. ويتطلب الوصول إلى هذا الفهم الحميمي للسياق تعيين العناصر المعرفية(أحداث، أشياء وأدلّة...) التي يذكرها المؤلف.
الإدراكي والمعرفي:
تكون الملحقات المعرفية دائما فكرية وانفعالية بين الإدراك والعاطفة اللذان يندمجان مع مدلولات لإعطاء معنى للنص المترجم والسياق الإدراكي الذي تكوّنه المعارف المكتسبة عند قراءة النص.
الثقافة الإدراكية:
عبارة عن تصورات عقلية وأحداث تجربة وهي معارف نظرية وخلاصة تأملات ونتيجة قراءات . والثقافة الإدراكية تتشارك في معرفة الجماعة البشرية ومشتركة بالبيئة الاجتماعية.
فالثقافة الإدراكية هي ما يسمى جوهريا بالمعرفة الموسوعية أو معرفة العالم. إنها تشمل كل المعارف اللغوية واللغوية الإضافية المخزونة في ذاكرة الفرد.
المعارف اللغوية الإضافية: 
إن المترجم لا يترجم النص إلاّ بتطبيق معارفه اللغوية بل وأنّه ينشّط أيضا معارف أخرى لتنشأ ثانية في فكره مجموعة من ثنائية التقرير والإيحاء/ الصريح والضمني. وهي المعنى الكامن وراء الكلمات وإرادة قصد قول المؤلف. لأن المعارف الموسوعية المعبأة بالسلسلة الشفوية تلتحق بها . فكل مترجم يأخذ بعين الاعتبار المعارف التي تسمح له بتأويل النص.
مهما كان نوع الترجمة من تقنية وشعرية فإنّها تتطلب كيفياتها جمع عناصر إدراكية بدلالية الجمل إلى الأسلوب الأكثر تكلفا ولا يمكن أن تكون الترجمة دون خلق تعادلات ناتجة من تأثير المعارف غير اللغوية على معاني اللغة .
السياق الإدراكي: 
إن وحدات المعنى التي تتكوّن عبر القراءة تبنى تدريجيا على سياق إدراكي لفهم النص فالسياق الإدراكي محدد بالملحق اللغوي الإضافي للمترجم الذي ينبثق من النص . وهذا ما يسمح باستيعاب الخطاب في إتصاليته وفضلا عن ذلك يعطي المترجم حرية الفعل عند إعادة التعبير.
8-/ التعبير:
التعبير الكتابي شكل من أشكال الاتصال المضبوط ويكمن خلف ملكة اللغة الصالحة لكل إنسان وقدرة إنشاء نص فكيف يقوم المترجم بمهمته؟ كيف يتحوّل كاتبا بعد فهم المعنى؟
إعادة التعبير: 
يشرح [ ج. دليزل] طريقة المترجم في إعادة التعبير قائلا :هي  البحث عن صياغة أكثر ملاءمة تصنعه نوعا ما بحذر الآليات الواعية للفكر أين تستدعي الذاكرة الموسوعية المعلومات ومن خلال هذا البحث تكون النتائج الوسيطة التي يرفضها المترجم لعدم توافق المحتوى والشكل. إذ ترى الكاتبة أن تداعي الدلالية اللغوية مع انسجام الإدراكي والانفعالي ومزيج المعارف اللغوية للمترجم مع ثقافته الإدراكية وتجربته العاطفية، يبقى في كل مناسبة نقطة الانطلاق للتعبير في الترجمة .
والتعبير الأصلي هو الصياغة الواضحة للفكرة والتي تقدّم تعادلا بالمحافظة على هوية المحتوى.
II -/ التعادلات والتطابقات
ترى الكاتبة أن الترجمة تكون ناجحة إذا استوجبت خطأ لغويا ولا خطأ منهجيا .فكل واحد منا يعرف ماهي الأخطاء اللغوية، أما الأخطاء المنهجية فهي ترتكز ارتكازا أساسيا على القيام بالتطابقات. فكان لزاما علينا أن ننظر للترجمة بتعيين حد النجاح عند غياب الأخطاء .
إن الترجمة التأويلية ترجمة بالتعادلات، والترجمة اللغوية ترجمة بالتطابقات. فالمعنى في لغتين كالفرنسية والانجليزية مثلا هو نفسه ولكن سنلاحظ أن الكلمات لا تتطابق إلاّ قليلا حيث يقوم المترجم بالتعبير عن المعنى طبقا لميوله الأسلوبية بالتالي تقول أن النص وترجمته إلى لغة أخرى متعادلان.
أما بالنسبة للفرق الكامن بين التعادل والتطابق فإنّ الأول يستقر بين النصوص أما الثانية فبين عناصر لغوية؛ كلمات، مركبات وأشكال نحوية.
إن التعادل تطابق مستجد، إنّه طريقة الترجمة العامة يبرر وجود عناصر ملائمة في كل مناسبة: إيحاء خارج السياق أو استعمال في نص. ولكي تنجح الترجمة عليها أن ترمي إلى تأسيس تعادل إجمالي بين النص الأصلي والنص المترجم واستعمال التطابقات بين لغتين هو المستوى الأول للترجمة.
ففي الترجمة بالتعادلات نجد التعادل الإدراكي الذي ينتج عن وصل دلالية النص بملحقات معرفية يأتي بها المترجم. فكل لغة تعبّر عن المعنى نفسه لكن بأشكال مختلفة . كذلك نجد التعادل العاطفي   أين يكون المترجم أكثر من قارئ مهتم للنص الذي ترجمه ولكي ينجح في نقل مقطع ما عليه أن يهتّم بتخييل الواقع اللغوي الإضافي الكامن وراء كلمات النص الأصلي ليتجاوز بذلك اللغة ويحس من خلالها بإرادة وقصد قول المؤلف.
إنّ التعادل هو نتيجة منهج منطقي في الرؤية والحدس معا وهو تحوّل تفكير المؤلف الخاص بلغة أخرى يعبّر عنه المترجم بكل ملكة مهارية يمتلكها .
والعنصر المركزي لنظرية الكتاب هذا ،حسب رأي الكاتبة،هو أن كل ترجمة تحتوي على تطابقات بين الكلمات والألفاظ لكنّها لا تتحوّل نصّا إلاّ بفضل خلق تعادلات. إن الترجمة التي تحافظ على مجاز لغة الانطلاق تعطي بالمقابل نتيجة سيئة. ولكي يتبّع القارئ نصا مترجما دون عناء يجب أن يكون هذا الأخير مطابقا لعادات اللغة التي كُتب بها . ولكي تكون الترجمة مفهومة يجب دوما تكرار ما يجعلها في حالة خاصة .
أما الترجمة بالتطابق فهي تحاول المحافظة على المدلولات بتغيير الدّلات فالكلمات المطابقة تنسجم أمام التعبير في تصوير الواقع. وباختيار الكلمات  التي تسعى للحفاظ على هويتها هي تترجم بالتطابقات .ترتبط التطابقات والتعادلات ربطا حميما بسياق الترجمة ولا تتغلب الواحدة على الأخرى تغلبا تاما.
3- الكلام والترجمة:
إن الترجمة قضية كلام، فيها يقضي استعمال لغة مميّزة لكسب معلومات وتخزينها على شكل غير شفوي. وعلى هذا الأساس ساهمت نظريات الألسنية بتحديد الترجمة تحديدا حسنا بالنسبة للبنيوية والتوليدية التي سمحت بإبراز مكانة الترجمة في الاتجاهات الحديثة .
* الألسنية البنيوية:
يعتبر [دو سوسور] اللغات  أنساقا تكون داخلها علامة لا تعني إلاّ المعنى بالنسبة لعلامات أخرى فالعلامات اللغوية قيمة ولعلامات الأنساق اللغوية قيم مختلفة. وكما نعلم يجعل [سوسور] الكلام في المرتبة الثانية بالنسبة للغة. فالكلام متجدد من ثوابت استدلالية ويرى في تسمية الترجمة اللغوية أو الترميزية التي تهتم بالكلام أنّها تتطلب معارف لغوية مستقلّة عن كل إحالة للواقع .
كذلك  أشارت الكاتبة إلى المنظّر البنيوي الفرنسي[ جورج مونان ] من خلال كتابه (الالتباسات النظرية للترجمة)أين  Les problèmes théorique de la traduction  
يرى بأنّ الترجمة هي علاقة بين اللغات وعملية لغوية .
أما [رومان جاكبسون] في نظريته اللغوية للترجمة يذكر في مقالته (عن الصفات اللغوية للترجمة) On linguistic aspects of translation مشكل الترجمة هو أن اللغات
تختلف فيما بينها وصرّح بأن الترجمة ترتكز على جعل رسالتين متعادلتين في معيارين مختلفين.
فالنظرية التأويلية تقيم فارقا أساسيا بين المعنى اللغوي لكلمة أو جملة وبين المعنى الذي يشار إليه في النص من حيث مستوى اللغة، المعنى الخاص بالكلمات لا يعني قسرا حقيقة خارجية، ومن حيث مستوى النص تعيّن الكلمات إحالات خارجية عنها. فهل ترتكز الترجمة على نقل معاني معجمية ونحوية للغة؟
إن النظرية التأويلية للترجمة المعزّزة بالتجربة تفترض بأن تعيين الأشياء هو الذي يجب إعادة التعبير عنه .
* الألسنية التوليدية: 
ترصد البنيوية التوليدية بنى عميقة وشموليات الكلام لعلّها تطابق خبرة فطرية معدّلة بكسب لغة تأريخية. فقد ظنّ التوليديون بأنهم يستطيعون بناء نظام للترجمة على أساس بناها العميقة، وإذا ما نجحوا في شرح الترجمة الإنسانية فإنّهم أعطوا على الأقل دفعا قاطعا للترجمة الآلية.
ومن بين المنظرين التوليديين الذين ذكرتهم الكاتبة، نجد: [نوام تشو مسكي] و[بلوم فيلد] اللذان يرميان إلى تقليص دراسة الكلام على ظاهرة اللغات المادية الفريدة التي تُلاحظ موضوعيا.
التمس شومسكي بنى عميقة وهو يريد استرجاع الذهني في الكلام، المحاولات الأولى للترجمة الآلية التي كانت ترمي إلى الإحاطة بمعان لغوية وجعل تطابقات بينهما قد تركت بعد لصالح تحليل نحوي حيث البنى العميقة جديرة بأن تطابق تصورات ذهنية.
إن التوليدية تمنح للترجمة المستوى الوسيط حيث البيانات مازالت لا تدّل على معنى وإنّما هي مشوّهة في جزء من قدرتها الدلالية: إنّه مستوى يمتزج بالنصوص.
فكلا التوجهين سعيا إلى أن تكون الترجمة عملية علمية تجعل الشيء ملحوظا بطريقة موضوعية. إلا أن النظريتين تخلتا عمّا هو الأهم في الكلام وهو الإنسان المفكّر الذي استعملها استعمالا موضعيا.
اللغة ، الكلام والنص:
اللغة: هي جمع عناصر شفوية تديرها قواعد للربط والتغيّرات الصرفية والدلالية التي يستعملها مجتمع، فهي إذن تجريدية مثل ما هي حادث اجتماعي، إنّها موجودة عند كلّ أفراد جماعة لغوية. وبالتالي لها سمة موضوعية، إنّها بالنسبة للمترجم موضوع معرفة أكثر ممّا هو موضوع تحليل وفهم.
الكلام:  مستعمل لخدمة لغة، فهو قابل لتحليل الجمل ووحدات الخطاب.حيث نجد الباحثين في دراستهم لتحليل الخطاب اهتموا بدراسة الظواهر الكلامية ليبرزوا النّصية وإنتاجها وتلقيها. فالكلام نظام سيميائي من بين الأنظمة الأخرى، إنّه يساهم في ظهور المعنى، ولكنّه لا يحتويه.  ولكشف طبيعة الترجمة، ترى الكاتبة أنه يجب أن تُدرس كيفية المترجم في فهم المعنى والتعبير عنه ويجب أن تُعرف ماهية النصوص.
النص:  في الترجمة يحدّد النص الأصلي بأنّه إنتاج تفاعلي بين المترجم وبين مادية سلسلة خطية أو صوتية، إنّه يتجاوز إطار اللغة والكلام وهما موضوعان ساكنان للمعرفة، إنّه موضوع فعّال للفهم.
فعلى مستوى النصوص تكون الخبرة النصية  قائمة على فعل إبداعي يستند على معارف لغوية وغير لغوية متواجدة في البداية لتنتج معنى غير مطبوع . وتصبح الخبرة النصية في لحظات الترجمة مستوى الكفاءة النصية، إذ يكسب المترجم المهارة الكلامية بحيث أنّه يُترجم وهو يستعمل كفاءتُه النصيّة.
كما أشارت الكاتبة إلى اقتراح [أمبيرتو إيكو] في تحديده للنص بعبارات مختلفة جدا، ولكنّها متشابهة من حيث المضمون. فالنص بذلك هو الذي بثّ نسجا من الفراغات والفرجات قابلة لكي تُملأ . فالنص آلة بطيئة أو اقتصادية تعيش على كاهل فائض لقيمة المعنى الذي أضافه المتلقي. فكلما يمُر النص من وظيفة تعليمية إلى وظيفة جمالية يترك القارئ يبادر في التأويل فالنص لا يُنتج أبدا بدافع الآليات اللغوية بل وحتى بالمعارف اللغوية الإضافية 
ترى الكاتبة أن أي ترجمة إنسانية تدخل إضافات إدراكية زيادة على معارف لغوية ولكن هذه الإضافات ملائمة تقريبا حسب المعارف اللغوية الإضافية للمترجم .
كما ذكرت الكاتبة أنّها قدّمت محاضرة في عام 1976 حول مفهوم (فرضية المعنى) أين بيّنت بأنّ كل ملفوظ يحشد معرفة مزدوجة . وهي معرفة اللغة ومعرفة العالم أيضا، فالمترجم عند غياب ثوابت خطابية دقيقة يضع فرضيات بالنسبة إلى المعاني حيث الدلالات اللغوية قابلة للرجوع إليها. فاللغة عند توظيفها لا يمكن أن تُعزل عن معارف يستعملها إنسان، حيث تقول الكاتبة[ أن مفهوم فرضية المعنى ينزع إلى البرهنة بأن نصّا، في أيّة حالة، لا يفهم إلاّ في مجال اللغة التي كُتب بها . وفي كل المناسبات، يستلزم إدراكه جمع المعارف اللغوية بالمعارف الإضافية.] كما يقول كذلك في هذا الصدد[جون يسيرل] في مؤتمر 1980 بعنوان (فهم اللغة) :[لا تثير دلالة الجملة اللغوية إلاّ انطلاق تأويل وجود فرضيات وتطبيقات خلفية.]
التأويل:
إن المترجم على غرار فيلسوف الكلام يهتّم بالتأويل حيث نراه ظاهرة عالمية لا تتجزّأ عن الترجمة.
لا تحمل كلمة تأويل أية دلالة تحقيرية، حسب رأي الكاتبة، فالتأويل ذاتي شأنه شأن كلّ فعل بشري، غير أنّه موسوم بتحيُّزات. فإنتاج نص وفهمه نشاطان ذاتيان إذ يساهم كلّ من يكتب وكل من يقرأ في هذا العمل برؤيته الخاصّة للعالم والإحساس به وبتجربته المعاشة .غير أنّ المعنى إذا كان بالنسبة إلى المؤلف ذاتيا فإنّه يتحوّل بالنسبة إلى المترجم ويصير موضوعيا. فالدراسات الترجمية وقبلها تلك التي تتعلّق بترجمة المحاضرات المتعاقبة والمتزامنة قد أبرزت موضوعية الخطاب المؤوّل في ذاتية محتومة للتعبير.
فالمكان والنص حيث كُتب فيهما النص، هما منابع عديدة للتأويل الذي يُضيف عناصر إلى العناصر المتواجدة في ثقافته الإدراكية . إذ يتدخل كل من ذكرى بداية النّص ومن آليات الإدراك الحسّي والذاكرة أي قدرة فكرية وسرعة الإدراك البصري  في التأويل المضبوط للنّص زيادة إلى الثقافة الإدراكية. إذ لا يوجد حسّي إلاّ وكمّل الإدراكي.
III -/ المشاكل العلمية للترجمة:
 تعني الترجمة إعادة التعبير عن المعنى الإدراكي والشعوري للنّص الأصلي.فهي طريقة نقل محتويات معرفية وعاطفية من لغة إلى أخرى، قام بها مترجم ذو ازدواجية لغوية جيّدة، وهو يطابق مؤلّف النص الأصلي مطابقة تامة، ويعني بالانفعالات الممكنة عند قراءة نصيّة، نظريا، لا يعارضها أي حاجز من الطراز اللغوي أو الثقافي أو الأسلوبي أو الموضوعي أو المعجمي.
هذه الشروط، حسب الكاتبة، قلّما تُجمع أثناء التطبيق: فالمترجم ذو نقائص راجعة إلى الظروف التي يعمل فيها، لم يكن كامل الازدواجية اللغوية، وحتى اللغة الأصلية لم يتمكّن منها كلّ التمكّن الذي يسمح له تغطية مجمل النظام المفتوح للمعجم، ولا يكتسب دائما الحدس الشعري الكافي ليعيد خلق نص أدبي فني، كما أنّه يواجه صعوبات للتمكن من المراجع، وتكون النصوص الأصلية غير مكتوبة جيّدا أو تكون غامضة عمدا، فينبثق المترجمون الجيّدون ببراعة من غياب هذه المشاكل.
أشارت الكاتبة إلى بعض الصعوبات التي تعيق عملية الترجمة أثناء التطبيق من بينها؛ غياب فك الشكل الشفوي، حيث يتتبّع المترجم في الترجمة التأويلية كل من القراءة وفك الشكل الشفوي ثم إعادة تعبير المعنى . وعلى المترجم أن يشكك دائما في هويّة المفهومية المضبوطة لأشكال شبيهة في كلتا اللغتين.
فالمحاكاة منبع هام للولوج باللغة الفرنسية مثلا في مدلولات معجمية إنجليزية حيث تُثرى المدلولات الأولية للكلمات بصبغة دلالية إضافية.
يمثّل ضرورة فك الشكل الشفوي للأخذ بالاعتبار السياق الإدراكي وضرورة التعبير في لغة الوصول عن الفارق الذي يقصده المؤلف في اللغة التي يستعملها .
يفرض الاختلاف في البنى النحوية للغات قسريّة على الترجمة ،حتى لا يتصرّف المتدرّج الضعيف بالحرفية وإنّما يتبع نحو لغة الوصول ، عندما لا تفرض اللغات من بداية اللعبة إعادة بناء الجمل الهامة والتي تحث على نوع من فكّ الشكل الشفوي.
عندما يترجم المترجم المجاز المرسل من اللغة الأجنبية عليه أن يردّه إلى مجموعة إدراكية، مجموعة أوسع بوسائل مختلفة، وعندما يعي بترجمة النص، فالجمل الأجنبية تشكّل صعوبة في إعادة مجدّة من حيث بناؤها يطابق بناءً عادياً في لغة الوصول. كأن سهولة الترجمة التي تقدّمها تحول دون بحث عن المعنى بأكثر عمق.
فالكاتبة ترى أنّ فكّ الشفوي هو قضية منهج ،إذ أن بقاء السّمات على الورق يجعل العمل صعبا لكلّ من أدرك ضرورة فكّ الشفوي. إمّا يكتبون ترجمتهم دون أن يهملوا الأصل، إمّا يصوغون فكرياً جملتهم قبل كتابتها على الورق، لو عبّروا عن فكرة تتحرّر تماما من غلافها التعبيري الأصلي لما كانت النتيجة رعناء.
فالترجمة ماهي إلاّ عبور من لغة إلى أخرى، وتحديد وحدة الترجمة المتمثلة في أصغر مقطع للبيان من خلال التحام السّمات . حيث نجد[ ج. دليزل] لا يتجاوز الكلمة فحسب وإنّما يلحّ على الأمور بأننا لا نترجم نصّاً حسب جمل متقطّعة وإنّما يجب أن يكون في الحسبان الدينامية الداخلية لسياقها ولوثبة الفكرة التي يولّدها .
أو بعبارة أخرى لنا في الجملة سياق تعبيري كاف لإبراز المعاني المحيّنة للكلمات، ولكن السياق الإدراكي يعوزها وهذا الغياب يجرُّ أخطاءً للمترجم .
عندما يشعر المترجم بالمعنى الذي يندمج اندماجا ملائما بمتابعة النص فتوجد في حوزته وحدة الترجمة : وهي مزيج من البيّن والإدراكي إنّها وحدة المعنى.
كذلك من بين مشاكل الترجمة نجد المشاكل المسمّاة ثقافية، حيث تكون الأشياء أو المفاهيم المتعلقة خصيصا بثقافة ما والتي لا تحتوي التطابقات المعجمية في الوصول، ولا تكون عادات اللباس والطعام والطقوس الدينية والتقليدية المذكورة في النص الأصلي بديهية لقارئ النص المترجم، لا يعني فقط بمعرفة أيّة كلمة في لغة الوصول مطابقة لكلمة ،وإنّما يعني بمعرفة تخصّ كيفية العالم الذي يشمله كلام الآخر نقلا تاما .
إنّ مشكلة إعادة التعبير عن عالم أجنبي أثارت المناقشات الفلسفية- المعرفية التي تلاحظ أن كلّ لغة تقطع العالم حسب منهجها، فاستخلصت أن كلّ لغة تفرض على كل من يتكلّم بها تصور العالم تصورا خاصا.وترى الكاتبة أن هذا الرأي يصح فقط إذا كانت الترجمة ترميزا غير أنّها مختلفة على مستوى ترجمة النصوص بحيث الإضافات الإدراكية تلعب دورا هاما مثل التعبير اللغوي وتتشكّل عبر قراءة نص أو ترجمة.
إنّ المترجم مزدوج اللغة، هو أيضا مزدوج الثقافة قادر على رؤية العالم الذي يذكره النص الأصلي بفضل المعارف اللغوية الإضافية. إنّه قادر على أن يرى العالم الأجنبي وأن يعبر عنه . فيقتضي على المترجم أن يقدّم للقارئ الأجنبي معارف إضافية كافية لفتح الباب المؤدي إلى معرفة الآخر.
 ترى الكاتبة أن مشاكل الترجمة تُحلّ بتطبيق منهج يقترض التمكّن من اللغات ومعرفة الأشياء. فالترجمة هي دائما ممكنة لكلّ من يفهم نصاً ويعبّر عن معناه .
الترجمة وتعليم اللغات:
تتضمّن كلمة ترجمة ذاتها قصديات مختلفة إذ يستعمل مصطلح ترجمة في تعليم اللغات أيضا. وهذا ما يوضّحه [ج. دليزل] عندما صاغ عبارة الترجمة العلمية :أي استخدام تمارين ترجمة مدرسية ترمي إلى لغة أجنبية .
إن الترجمة التعليمية هي منهج من بين المناهج  الأخرى لتعليم اللغات، وهي تتموضع في مستوى التطابقات، إذن فإنها ترجمة لغوية في الأساس مع أنّها لا تحرم أحيانا من الإلهام التأويلي،ترمي الترجمة التعليمية بالمقابل إلى تأسيس منهج  يعترف بحق الأصل وباختراع تعادلات.فالترجمة في تعليم اللغات لها في أول وهلة، دور مزدوج وهو إبراز الدوال المطابقة لدوال لغة المتعلّم للأم، وبيان لهذا المتعلّم أن المدلولات التي تشير إليها لا تتوافق إلاّ بشمل تقريبي، وتسمح الترجمة اللغوية الموجّهة توجيها جيّدا أن تكون مفيدة جدا في هذا المضمار ولكنّها ينبغي أن تبقى شرطا مسبقا للترجمة بالتعادل.
إنّ نظرية الترجمة الحقيقية تنطلق من معاينة لغتين ولكنّها لا ترتكز على اللغات ذاتها.إذ يسمح تقارب مناهج الترجمة المطبّقة على عدد كبير من الثنائيات اللغوية بوضع مبادئ صالحة لكل اللغات .
في الأخير أشارت الكاتبة إلى:
الترجمة الآلية في سياق الترجمة الإنسانية: 
 إنّ الإعلام الآلي يساعد الإنسان في حياته اليومية ويؤثر في حياة المترجمين أيضا.فلا تنفصل الآلة عن نشاط الترجمة.
المفارقة الموجودة بين الترجمة الآلية والترجمة الإنسانية  التي تعالج المعنى هي مفارقة مقنعة إذ يحدث أنّنا نستعمل كلمة ترجمة لتسمية العمليتين معا .
فالترجمة بأشكالها المختلفة نشاط إنساني يعود تأريخه إلى مجاهل الأزمنة ، فكانت ذا طابع ديني مدّة طويلة ومازال اليوم أيضا المئات من المترجمين يعملون يوميا على ترجمة التوراة. فالمقالات في الطب والتنجيم  من الترجمات الأولى التي نشرت عبر العالم.
ومع نهاية الحرب العالمية الثانية أخذ عدد الترجمات يتزايد بشكل مدوّخ وذلك مع ظهور آلات الحاسوب الأولى التي فتحت  آفاقاً جديدة بفضل سرعتها .
إلاّ أنّ الآلة ، حسب ما ذكرت الكاتبة، هي عاجزة على ترجمة لغة ترجمة صحيحة لكثرة مشاكل الغموض في كلّ نوع ولإعادة التنظيم  النحوي، حتى استحال وضع تطابقات صحيحة بين جمل اللغتين كما استحالت إضافة ثقافية إدراكية وإضافة سياق إدراكي إلى دلالة الملفوظ.
بصفة عامة فالترجمة الآلية التي حسبناها قادرة على أن تترجم كل شيء قد حدّدت ميدان التطبيق تحديدا سريعا عن النصوص.وهي غير قادرة على تشكيل أساليب لغة وسجلاتها إلى ذلك أنّها غير قادرة على توقّع التخييل وتشكيله إذ أنّه إنتاج الخيال.
فالترجمة الآلية الكلّية تستعمل خاصة في الوقت الحالي عند البحث عن توثيق التقنية ذات كثافة اصطلاحية وفي غياب المراجعة فهي تعطي فكرة عن محتوى نص وفي بعض التطبيقات المحدودة جدا فإنّها تعطي ترجمة خالصة ، ولكن المجهود الأساسي يقوم اليوم على التعاون مع الآلة والإنسان قبل الترجمة أثناءها وبعدها.
وتكمن الصعوبات التي تتعرّض لها الترجمة بالآلة فيما يلي: أنه يصعب ترجمة  اسم العلم والإشارة إلى نمط نحوي يتشاكل والكتابة، تعيين التوابع وإدراج معجم الكلمات العويصة في مصطلحات تجهلها الآلة . فالترجمة الآلية  تعجّ بالغموض الأساس  في اللغات وهو أم المتاعب، ولا شكّ أنّ البساطة الظاهرة للغات قد جعلت مبتكري آلات الترجمة الأولين يعتقدون بأن الترجمة تكتفي بتبديل الكلمات وتغيير التراكيب النحوية. وبالمقابل ينبغي على الآلة أن تفهم اللغات وعليها أن تصل قبل كلّ شيء إلى استخراج المعاني الأحادية. فذاكرة أجهزة الترجمة الآلية تحتوي على معطيات معجمية ومعطيات نحوية، تجمع باستمرار الواحدة بالأخرى بحثا عن الأحادية.
إنّ الآلة تعجز على استدعاء معارف غير شفهية لكي تؤوّل مقاطع من نصّ؛ إذن فيستلزم القيام بفك اللبس في الترجمة الآلية .
يقول [ بيير لفي] : ملكة الإدراك أو التعرف على الأشكال تتصف بسرعتها الكبيرة. يستقرّ الجهاز الإدراكي بضع ثوان ليؤوّل توزيع تحريضات خاصة لملتقطي الحواس نستدرك وضعا أو شيئا استدراكاً فورياً .
فترى الكاتبة أن أجهزة الترجمة الآلية قلّما تكون قادرة على خدمة معارف ناتجة عن السياق الإدراكي، إذ لا يوجد مؤشّر يعلن عن وسيلة كشف القليل من المعرفة الذي سيسمح في حالة ما بفكّ اللّبس.
لا يكتفي الإعلام الآلي بترجمة مفاهيم خارج الوضع، ولا يكتفي باستكشاف طاقة تعّد المعنم المعجمي واللبس البنيوي للنصوص. ومع ذلك يستحيل إدراج ثقافة إدراكية في الآلة حتى تماثل ثقافة إنسان. فالثقافة الإدراكية لفرد ما لا يمكن أبدا أن تكون في متناول الآلة . فالثقافة الإدراكية شفهية ولا يمكن للآلة أن تعمل إلاّ على أساس معطيات مشكّلة.
يقول [جان بول سارتر] حول الفهم الإنساني في كتابه( ما الأدب؟)  : يجب أن لا نعتقد بأنّ القراءة عملية آلية وبأن القارئ ينفعل بالعلامات كما تتأثّر صفيحة تصويرية بالضوء. وإذا كان ساهيا، تعباً، أبله، طائشا فتفوته أغلبية العلاقات، وإذا كان في حالة جيّدة فإنّه يلقي شكلا تحليليا أبعد من الألفاظ بحيث كل جملة منه سوف لا تكون لها إلاّ وظيفة جزئية وهكذا، ومن البداية لم يكن المعنى موجودا في الكلمات بما أنّه هو الذي يسمح بفهم مدلول كلّ واحد منها .
وفي الأخير تخلص الكاتبة أن الآلة تبقى مجرّد عامل مساهم في تطوير العملية الفكرية للإنسان من خلال: تسهيل عملية البحث عن المراجع عوض الرجوع إلى المكتبات ومراكز التوثيق. كما يمكن أن نطلب من الآلة صنع قاموس خاص حتى يكون سهل التناول. فتبقى الترجمة الآلية قاصرة على إدراك  الضمني في الكلمات لعدم امتلاكها لقدرة إدراكية وحدسية تساهم في انبثاق المعنى الأصلي للنص المترجم .
وصفوة القول، أنّ الترجمة حقا نموذج تأويلي وفضاء سيميائي، هي علامة تشتغل في فكر الإنسان بدمج عملياته الإدراكية والعاطفية لإدراك سياق النص الأصلي وثقافته.
فحتى أننا نجد معاني التأويل تتشابك وتتفاعل مع معاني الترجمة ؛ فأن تؤّل يعني أن تترجم . فيقول عادل مصطفى في كتابه: (فهم الفهم، مدخل إلى الهرمينوطيقا):
[حين يكون النص بلغة أجنبية لن يخفي التعارض بين عالم النص وعالم القارئ في أفق الرؤية، فالعملية التأويلية قائمة بتمامها في عملية الترجمة . إنّ المرء في عملية التأويل، يأتي بشيء أجنبي أو غريب غير مفهوم ويسلُكُهُ في وسيط لغته الخاصة. والمترجم، شأنه شأن الإله هرمس يتوسّط بين عالم وآخر وليست  الترجمة مرادفة آلية ؛ ذلك أن المترجم هو وسيط بين عالمين مختلفين لا عالمين متناظرين . والترجمة تستدّل على أن اللغة ذاتها تنطوي على تأويل شامل للعالم. وعلى المترجم أن يكون حساسا لهذا التأويل الشامل حتى وهو يترجم التعبير.].[3]
 ويُضيف قائلا: [ والحق أنّ الهرمينوطيقا الحديثة تجد في الترجمة ذخرا كبيرا في استكشاف المشكلة التأويلية. بل إنّ الهرمينوطيقا في مراحلها التاريخية الأولى كانت دائما تشمل الترجمة اللغوية، سواء بوصفها تأويلا للفلسفة الكلاسيكية أو تأويلا للكتاب المقدّس.إنّ ظاهرة الترجمة هي لب لباب الهرمينوطيقا؛ إذ يواجه المرء في الترجمة الموقف التأويلي الأساسي الخاص بتجميع معنى النص والتعامل بالوسائل النحوية والتاريخية وغيرها من أدوات فك رموز النص].[4]
فالترجمة علم يأخذ ويعطي من العلوم الأخرى وتعتمد على المنهج التحليلي الاستقرائي للسياق اللغوي والثقافي للنص الأصلي  ولتحقيق قصد المؤلف وتوفير تعددية النسق للنص المترجم  ليصبح أكثر قابلية على القراءة لدى المتلقي .
إذن الترجمة هي أساساً ممارسة يتسلّح من خلالها المترجم  بكل الوسائل الإحالية والمرجعية الضرورية  وعليه أن يكرّس مهارته الإدراكية والعاطفية في عمله  ليلتمس السياق الثقافي للنص الأصلي ويسهّل  تدفق معانيه حتى يلقى رواجا وقابلية لدى القراء. لأنّ الذات المترجمة هي اللغة نفسها .
فلم تعد الترجمة مجرد فن، بل هي بمثابة علم من العلوم تسعى إلى إرساء منهج سيرورتها  العلمية .

المراجع

رابطة ادباء الشام

التصانيف

شعر   ادب   كتب