د. محمد موسى الشريف .
مسألة تعدد الزوجات مسألة دقيقة شغلت بال كثير من الناس، وولج منها المفسدون الكافرون إلى الطعن في دين الإسلام والولوغ فيه، وعدوا ذلك منقصة في هذا الدين، مع أن تعدد الزوجات من أعظم المحاسن الاجتماعية في دين الإسلام،
ولا بد للمجتمع من أن يكون فيه رجال يتعلق الواحد منهم بأكثر من امرأة لأسباب عديدة، أما عندنا نحن معشر المسلمين فبتعدد الزوجات، وأما عند الكفار فبتعدد الخليلات والعشيقات، لكن الكافرين نقموا منا أن الله ارتضى لنا ذلك وشرعه لنا أما هم فيتخبطون في الفساد والعهر والمجون، وإحصاءاتهم في هذا الباب يندى لها الجبين، فقد أصبحت نسبة كبيرة من نسائهم لا يعرفن إلا الزنا والفجور، بل انتقل هذا الحال إلى البنات المراهقات والصغيرات اللواتي أصبحن يلدن أولاداً لا يُعرف لهم والد، والأمر عندهم قد اتسع خرقه على راقعه، وحار فيه علماء الاجتماع عندهم لكن { من لم يجعل الله له نوراً فما له من نور}.
لكن مسألة تعدد الزوجات أصبحت بسبب هجوم أهل الفساد عليها سُبة وجناية، وأصبحت كثيرات يعددن من يصنع هذا خائناً حتى من فئات المثقفات وللأسف الشديد، وهجمت وسائل الإعلام على من صنع هذا هجوماً شديداً، وكل هذا بغير حق، وكل هذا تنقص في الشريعة وطعن فيها والعياذ بالله.
ثم إنه يجب التنبه إلى الأمور التالية في مسألة تعدد الزوجات:
1- إن التعدد ليس فخراً يتفاخر به في المجالس، إذ أصبح كثير من الرجال يتباهى بأن له امرأتين أو أكثر، وهذا من الأمراض الاجتماعية إذ ليس هذا باب تفاخر، والأدهى من ذلك أن بعض الرجال يأمر أصحابه أن يتزوجوا أكثر من امرأة حتى أنه جاءني مرة من أثق بعقله ودينه، وكان حائراً مضطرباً فلما سألته عما به أخبرني أنه مسرور مع أهله مرتاح إليهم، راضٍ بهم، وأن فلاناً يلح عليه أن يتزوج مع عدم رغبته بالتعدد، فعجبت وسألته : لماذا يلح عليك ويأمرك والحالة هذه، فأخبرني أنه ذكر له أن من الكمال أن يعدد وأن عدم التعدد قادح فيه، فعجبت من ذلك كل العجب وأخبرته أن الأمر ليس كما صوره له ذلك الرجل، وأنه إن كان سعيداً مع أهله، وأنه وليس رغبة في التعدد فإن من العقل أن يكتفي بواحدة.
2- تعدد الزوجات حاجة من الحوائج، وليس هو مظهراً اجتماعياً، أو ترفاً يتلبس به المجتمع، إذ من شعر في نفسه حاجة للتعدد عَددّ، أما ما يحدث اليوم من تفاخر أو تكثّرُُ بهذا الأمر وانشراح له فهذا قد يكون قادحاً يقدح في شخصية الإنسان.
وقد كان جماعة من الأئمة العظام لم يتزوجوا أصلاً، وبعضهم اكتفى بواحدة – وهم جماعة كثر – وبعضهم عدّد، وهذه صورة المجتمع الصحيحة التي ينبغي أن يكون عليها أفراده.
3- التعدد قد يكون مشغلة مجبنة في هذا العصر، فلا يقدم عليه إذاً إلا من كان قوياً في نفسه، محتاجاً إليه، وذلك أن مجتمعات السلف كان يشيع فيها التعدد شيوعاً لا يترتب عليه عشر معشار الالتزامات التي تترتب على المعددين اليوم، ولم يكن يشغلهم هذا التعدد عن المعالي فكانوا يجاهدون ويرتحلون في طلب العلم ويعملون للدين ويدعون إلى الله تعالى بلا عائق، وانظر اليوم ما يجري في دنيا المعددين – إلا قليلاً – من انشغال بأهلهم وأولادهم وأسباب معيشتهم.
ولا أقول هذا الكلام لصرف الناس عن التعدد، معاذ الله إذ أقول فيه : إنه مباح شرعاً وليس لأحد كائناً من كان أن يعترض عليه أو ينتقصه لكني إنما أقول ذلك حفاظاً على أوقات الناس وتنبيهاً لهم إلى ما قد يشغلهم أو يثبطهم إن لم يكونوا مستعدين له أتم الاستعداد.
4- كان كثير من السلف يُعدد بأن يتزوج اليتامى أو الأرامل أو المطلقات، وفي هذا إصلاح اجتماعي عظيم، فأين منه كثير ممن يرغب في التعدد ويشترط امرأة موظفة ليعيش على أموالها بلا مروءة ولا شهامة، أو يشترط فيمن يرغب أن يتزوجها معدداً شروطاً تنبئ أن هذا المعدد يجري وراء شهواته ورغباته وليس وراء مصلحة المجتمع ورغبة في إصلاحه، نعم إن من حق المعدد أن يتزوج من شاء لكن أليس الأولى أن يُتزوج اليتامى والأرامل والمطلقات اللواتي ليس لهن عائل واللواتي قد يكن باباً عظيماً للفساد إن لم يلتفت إليهن ويؤويهن كل قادر على التعدد مضطلع بأعبائه.
هذا في حق عموم الناس، أما طلبة العلم والدعاة فلي معهم حديث آخر، إذ يطلب من الدعاة وطلبة العلم اليوم أن يرجعوا الناس إلى دينهم وأن يبذلوا لذلك أوقاتاً كثيرة يحتسبونها لأجل الله تعالى وفي سبيله، ومطلوب من طلبة العلم خاصة أن يفرغوا أنفسهم زماناً طويلاً لطلب العلم وأن يُحنوا ظهورهم على كتبه ومراجعه، والملحوظ في المجتمع العلمي اليوم أنه لا يتوفر الوقت الكافي لأكثر طلبة العلم لقضاء شؤونهم وحاجاتهم الشخصية، ولا يكادون يعطون العلم إلا فضول أوقاتهم وهم عُزاب أو متزوجون بواحدة فكيف لطالب العلم أن يتزوج أكثر من واحدة وحاله ما ذكرت!.
نعم إن كثيراً من السلف من الصحابة العظام والتابعين الكرام ومن بعدهم كانوا يعددون لكن هذا التعدد لم يكن يكلفهم نصف ما يكلف المتزوج بواحدة اليوم حيث إن الحياة تغيرت، ومشكلاتها تفاقمت، ومشاغلها تزايدت، وهذا ملحوظ لا يحتاج إلى برهان.
ثم إن كثيراً من العلماء في زمان السلف كان يكتفي بجارية أو بامرأة واحدة حفاظاً على وقته وزمانه، وكان سفيان الثوري يقول : ( من ألف أفخاذ النساء لم يفلح )، فكيف بطالب العلم اليوم في القرن الخامس عشر أن يتنقل بين النساء وهو لم ينضج علمه ولم يصقل، فمتى بالله يحفظ المتون ويراجع المسائل ويقرأ على المشايخ ويثقف نفسه ويطلع على واقع الناس ؟ ! إني أؤكد وأكرر أني لا أقول هذا الكلام تزهيداً في التعدد لكني أقوله تنبيهاً لطلبة العلم وتذكيراً لهم أن لا يهجم أحدهم على التعدد إلا بعد أن يعرف نفسه من قوة ومن أوقاته فراغاً ومن حياته تشبهاً بحياة السلف الأوائل من العلماء المعددين، وإلا فإن صنيعه هذا سيحرمه من جميل أوقاته وشريف زمانه، ويظل متحسراً على ساعة يقضيها في المطالعة والمراجعة لا يجدها ولا تتيسر له، ولا يتمكن منها.
وإني قد قلت ما قلت عن معرفة وإطلاع على مختلف البيئات والأحوال ولم أقله إلا بعد إشفاقي أن تتخذ هذه السنة المباركة مطيةً للشهوات المنسية للمعالي، المثبطة عن البذل والجهد والعطاء، والله تعالى أعلم.
المراجع
موسوعه المستشار
التصانيف
الحياة