كانت المحاولة الأولى في بيروت، مفتتح العام 1981، عندما شرعنا "د. حسين أبو النمل، نبيل الحيدري، جودت أبو العون، وأنا"، في انشاء نواة "مركز للدراسات السياسية والاستراتيجية"، اتخذنا من شقة في "الظريف" مقراً لنا، وبدأنا بوضع خطة عمل وتأسيس مكتبة وبناء أرشيف، وشرعنا في انتاج بواكير تقاريرنا ودراساتنا، عن "الاقتصاد الاسرائيلي" و"برنامج التحول الوطني الديمقراطي في الأردن" و"ربيع جدانسك وليخ فاليسا"، فضلاً عن مروحة أخرى من العناوين المقترحة، المحاولة لم تكتمل، أطاح بها أريئيل شارون باجتياحه بيروت وفرضه حصار الـ"88" يوماً عليها، غادرت أنا وجودت ونبيل، وبقي حسين في بيروت، ولم نعرف حتى ماذا حصل لمقتنيات المركز من كتب وأراشيف قيّمة، لم يتح لنا ترخيص وتسجيل "المركز" قيد التأسيس، تماماً مثلما حصل لابني البكر، الذي ولد في بيروت ولم تمهلنا دبابات شارون لتسجيله، فاضطرت والدته لتسجيله في بلدة "التل" السورية، متأخراً عشرين يوماً عن تاريخ ولادته الحقيقي.
المحاولة الثانية، كانت في قبرص، نيقوسيا (1988- 1990)، يومها ذهبت الفكرة الى أبعد من مجرد "مركز دراسات"، وصلت الى حد "فتح جبهة ثقافية" ضد الصهيونية والعنصرية، بدأت المحاولة واعدة، أصدرنا "قضايا وشهادات" بجهد مشترك، جمع د. فيصل دراج، سعدالله ونوس، الطاهر وطّار، جابر عصفور وعبدالرحمن منيف، وأصدرنا فصلية "جدل" المتخصصة بالعلوم الاجتماعية وأشرف عليها د. عصام الخفاجي، ودراسات استراتيجية باشراف كاتب هذه السطور، ووضعنا اللبنات الأولى لدورية باسم "دفاتر" لم يتسن لها الصدور، وأصدرنا تقرير "صحافة الآخر" لمواكبة ما يصدر في صحف اسرائيل واذاعاتها، وأنشأنا "القدس ميديا" لتغطية أنباء الانتفاضة الأولى، وباشرنا باصدار سلسلة الكتاب الشعبي- الكتاب للجميع وترجمنا "الجنرال في متاهته" و"الانهيار الكبير، قصة صعود وهبوط الاتحاد السوفياتي"، وعشرات الكتب والكتيبات والدراسات.
لم تستمر التجربة طويلاً بعد اختلاف حاد مع الجهة المشرفة والممولة في ذاك الوقت (الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين)، لم يعمر المشروع طويلاً، وان ظل فرعه الدمشقي - دار كنعان- نشطاً لسنوات لاحقة.
المحاولة الثالثة، كانت في قبرص، ليماسول (1990- 1993)، يومها تواضعت الطموحات، واكتفينا بمركز يوفر تقارير ودراسات سياسية وخدمات صحفية، نشط المركز بعض الوقت، الى أن أطاح به صدام حسين بغزوه الكويت، يومها طلبت الينا جميع الجهات الصحفية والاعلامية الخليجية، أن نكف عن تغطية أنباء الانتفاضة وفلسطين، وأن ننضم الى جيوش المنددين بالراحلين الثلاثة: صدام حسين والملك حسين وياسر عرفات، والاحتفاء بجيوش الزحف المنطلقة من "حفر الباطن"، رفضنا العروض، وتعرضنا للافلاس جراء ذلك، أغلقنا المكتب وتركنا الجمل بما حمل في جزيرة الشمس.
المحاولة الرابعة، بدأت في عمان منذ أواسط تسعينيات القرن الفائت، واجهنا عنتاً مع دائرة المطبوعات والنشر في حينها، وظللنا "بين كر وفر" حتى العام 1999، عندما أسسنا "مركز القدس للدراسات السياسية/ عمّان"، الذي بدأ شيئاً فشيئاً يحتل مساحة على خريطة مراكز الأبحاث المحلية والعربية والاقليمية.
اليوم، نعود الى نقطة البدء، الى مهد المحاولة الأولى، بتأسيس "مركز القدس للدراسات السياسية/ بيروت"، وبالتعاون مع نخبة من الباحثين والدارسين من فلسطينيين ولبنانيين، لـ"كأنّنا أسلافنا نأتي الى بيروت كي نأتي الى بيروت" كما أنشد محمود درويش ذات مرة، لكأن الزمان استدار دورة كاملة، ولكن بعد ثلاثين عاماً من أولى المحاولات، لتشاء الصدف أن يكون مقر المركز الجديد، فوق مكتبة أنطوان الشهيرة، قبلة الدارسين ووجهة الناطقين بغير لسان الضاد أساساً.
رحلة طويلة، أكلت أكثر من نصف العمر الذي مضى، وكل العمر الذي سيأتي، وعذراً للسادة القراء والسيدات القارئات، على غرق هذه الزاوية اليوم، في هموم شخصية، قد لا تكون متسقة تماماً "مع الحياة والناس".
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة عريب الرنتاوي جريدة الدستور