حسام عبد القادر صالح
كاتب سوداني

بصورة غير متوقعة، وجد المؤتمر الوطني نفسه في مواجهة مع الحركة الشعبية تحت أضواء العالم الكاشفة والساخنة، اتحدت أجنحة الحركة الشعبية هذه المرة لتخفق كلها بأن السبب الرئيس وراء تعطيل اتفاق السلام بين الجنوب والشمال إنما هو من طرف المؤتمر الوطني وحده، ولتتجه كل تناقضاتنا الداخلية نحوه ولتنفجر في وجهه معلنة استهتاره بالسلام وبوحدة السودان وبكذبه وزوره في مسألة التحول الديمقراطي و... وقد تحقق للحركة ما أرادت، تملصت من مشاركتها في تعطيل السلام ونزعت جبة الاتفاقية المرقعة وألقت بها على المؤتمر الوطني، وبدا المؤتمر أمام المراقبين أنه الوحيد الذي يؤخر حركة سير الاتفاقية لا لأسباب موضوعية وإنما لأسباب تتعلق بتعيين فلان وزيرا وعلان مستشارا رغم أن هذا السبب- فعلا- يعد أقوى أسباب الأزمة إضافة لموضوع النفط المتعلق بأبيي.
وكل هذا يحدث رغم أن الحركة ملطخة هي الأخرى بعشرات المخالفات للاتفاقية، قام المؤتمر الوطني بإخراجها للعلن بعد أن وقعت الواقعة وانشقت سماء الحركة الشعبية عن كل ما هو عجيب وغريب، خروقات كان الواحد منها فقط يكفي لإعلان نعي كبير لوفاة السودان الواحد الموحد، ولكنه السودان، كل شئ فيه يحتاج إلى (أخوي وأخوك) و(أمسك لي وأقطع ليك) و(بالهداوة ياجماعة) و(المسألة بسيطة وما محتاجه الجوطة دي كلها)..
ولكن لأن الأزمة الحالية بين الشريكين وسحب وزراء الحركة ما هي إلا مقدمة لما اعترفت به الحركة نفسها لخطوات أخرى قادمة أكثر إثارة ومفاجأة ليس أضخمها هو إعلان الانفصال من دون حاجة إلى الاستفتاء المنتظر لأبناء الجنوب بعد ثلاث سنوات ليقرروا مصير السودان، وإلى هنا ما زال بعض قادة المؤتمر الوطني يصرح بأن للمؤتمر أساليب ناعمة وأخرى خشنة لتجاوز الأزمة، ومعنى هذا أن ما تبقى هو الأساليب الخشنة وحدها، لأنه ليس بالإمكان التعامل مع خشونة قرارات الحركة الأخيرة بنوع من النعومة، سوى تقديم رأس الاتفاقية نفسها على طبق من ذهب لتلتهمه الحركة.
وقد بدا واضحا بعد زوبعة الحركة الشعبية أن آليات اتفاقية السلام ومفوضياتها تمشي على رمال تغطس فيها الجِمال، وأن النهج الذي كان ينتهجه المؤتمر الوطني مع الحركة الشعبية حتى يصبحا مثل الشريكين فيه من الخطل و(النعومة) ما يجعل المؤتمر الوطني يسعى للخلاص منه حتى لا تلحق حركة مناوي وحركة جبهة الشرق بالحركة الشعبية فيعلن هن الأخريات مراسم التجميد والنكوص والبحث عن الأجانب لإصلاح ذات البين.
وأوضح من كل ما سبق، ظهر جليا أن الأزمة الحالية التي أثارتها الحركة الشعبية هي غبار راكض يثير الغبار، ويخشى أن ينظر إليه الآخرون إلى أين هو راكض، حتى إذا انقشع الغبار وظهرت الساقان تهرولان نحو هاوية الانفصال زاد الراكض هروبه، فعلا الغبار مرة أخرى، ودخل التجمع الوطني وراكضوه في الخط معلنين مساندتهم للحركة الشعبية ضد الوطني تحت المسمى اللذيذ(التحول الديمقراطي)... ومرحبا للتعاون مع الأجانب لإسقاط النظام والسلام، ووداعا لمفاوضات دارفور القادمة في ليبيا، فالمؤتمر الوطني لا يجعله نزاع الحركة الشعبية يرفع رأسه ليرى ما أمامه في الخرطوم دع عنك دارفور وما وراءها، فلك الله يا سودان، وإليك المشتكى يا

المراجع

شبكة المشكاة الاسلامية

التصانيف

تاريخ  أحداث  أحداث سياسية