تركيب :
ينجح الطيب صالح في بناء رواية عرس الزين على " الخبر " . ويوظف لتوسيعه وتشعبه نوعين آخرين هما
" القسم " و" التنبؤ " ، وانطلاقا من استثمار عالم القرية في جزئياته وتفاصيله ، يقدم لنا تجربة روائية يتداخل فيها " الواقعي " ( واقع القرية السودانية ) مع " التراثي " ( من خلال العديد من العناصر الدالة عليه ) بحيث لانجد مسافة بينهما .
إن التاريخ القديم بأشكاله ومثله وقيمه ما يزال ممتدا في الحاضر . يبرز ذلك بجلاء في كون استثمار البنيات الحكائية القديمة ( الخبر ) وأشكال تلقيه وتأويله، ومختلف أنواع الحديث أو القول ، وخاصة " القسم " ، وأٌقوال الزهاد ذات الطابع التنبؤي، جاءت لتصب جميعا في قالب " العجائبي " الذي تزخر به الرواية ، وتكشف لنا عن العلاقة بين الواقع والتاريخ والتداخل الحاصل بينهما : فالحلم ، والخربات المسكونة ، ودعوات الحنين كلها لها دور كبير في طبع عالم الرواية ومجتمعها بالطوابع التي تؤكد ذلك التواشج الذي نلمسه في التاريخ العربي ، وإذا هو متصل بعالم القرية . وهناك عناصر أخرى لها أكثر من دلالة في النص الروائي ، وهي تعمل مجتمعة على تأكيد ما نرمي .
إن تداخل الواقعي والتاريخي ، يجعلنا نستعيد ما قلناه في البداية عن العلاقة بين التـأصيل والتجريب ويدفعنا إلى استخلاص أن الروائي وهو يشتغل بما يزخر به الواقع من قيم متناقضة وممتدة من التاريخ ، يمكن أن يسهم في تـأصيل الرواية العربية دون أن تكون تجربته مستمدة من التراث السردي العربي . فالتداخل بين الواقع والتراث ممتد في الزمان ، وهناك العديد من العناصر التي نتعامل معها الآن بأنها من صميم التراث ما تزال تجلياتها بارزة في واقعنا . وحين يوظفها روائي من طراز الطيب صالح ، فإنه بذلك يدفعنا إلى معاينة الحدود القائمة بين الواقع والتاريخ، بين الحداثة والتراث من منظور مخالف لما يشيع في الأدبيات الرائجة ، وينبهنا إلى ضرورة التساؤل بصددها .
نجد الجواب الواضح عن الإشكال الذي نطرح الآن كامنا في ما يسمى بـ " الثقافة الشعبية "، إذ كلما نجح الروائي في الإنصات إلى نبض الواقع وبما يمور به كان التداخل واضحا بين التاريخي والواقعي ، وبينهما والأسطوري ، وبين مختلف الأشكال السردية التي وظفها العربي منذ القدم للتعبير عن هواجسه وأحلامه . وحين يمسك الروائي بمختلف هذه المكونات ، تتداخل الرواية بغيرها من الأشكال ، فيقع استثمارها على النحو الذي يضعنا أما الفعل الإبداعي الذي يظل ينهل بوعي أو بدون قصد من الثقافة الشعبية باعتبارها ذاكرة ، أو تجسيدا ثقافيا ما يزال ينبض بالحياة . والروائي الحقيقي هو الذي يلتفت إلى هذا الطابع الشعبي الذي ترثه الرواية بامتياز ، فإذا هي تنفتح على كل التراث، وتتمثله ، وتستوعبه ، موظفة إياه في صور نابضة بالحياة فيتصل الزمن الماضي بالحاضر ، بشكل يجعلنا نرى التداخل والتكامل بينهما .
هذا التوظيف الخاص للواقع في امتداده التاريخي ، هو الذي أعطى لرواية " عرس الزين " طابعها الخاص ، الذي يتمثل في اتصالها بالواقع ، وبالحياة الشعبية في أعمق تجلياتها ، وصورها التي تصلها بالتاريخ وبالإنسان العربي في انتمائه الثقافي والحضاري ، ولعل تحليلا شاملا وأوسع للرواية قمين بجعلنا نلتفت إلى هذه الطوابع المهمة والغنية ، والتي بدأت الرواية العربية تتعامل معها بوعي ، وبصور عديدة تستدعي البحث والسؤال.
المراجع
موسوعة اللغة العربيه
التصانيف
اللغة العربيه