كان من حسن الطالع أن أعود مبكرا إلى المنزل أوائل هذا الأسبوع، كاسرا الموعد الروتيني المعتاد في فترة بعد الظهر. وكان من محاسن الصدف أيضا أن أشاهد، من دون تخطيط مسبق، حفل توزيع جائزة نوبل للسلام، الموزعة هذا العام على ثلاث نساء مرموقات، من بينهن المناضلة اليمنية الشابة توكل عبدالسلام كرمان.
وهكذا منحني حسن الطالع والمصادفة الحسنة، الاستمتاع بحضور حفل نوبل للسلام ولو عن بعد، والابتهاج بلحظة رائعة كانت ستفوتني إلى الأبد، ناهيك عن إغناء الذاكرة البصرية بمشاهد مبهرة، ما كانت ستتيحه لي الملخصات الإخبارية اللاحقة والمواجز المصورة عن حدث احتفالي فائض بالوقائع الرمزية والكلام.
ولا أود أن أسترجع في هذه المساحة الضيقة فقرات من هذا الحفل الجميل، كما لا أود أن أستعيد بعضا من مداخلات قيمة قيلت فيه، فلا المقام يحتمل ذلك ولا الذاكرة الشخصية الغاصة بشتى الأحداث الساخنة والتطورات المتسارعة، يمكّناني من إعادة تدوين تفاصيل كثيرة أغنت المشهد العام ووثقته بالصوت والصورة على أحسن ما يكون.
لذلك، سوف أكتفي من هذا الشريط الطويل بتسجيل ما استقر في الوجدان الشخصي من انطباعات تخص على وجه التحديد صورة وكلمة المرأة العربية الأولى التي تنال جائزة نوبل، سواء أكان ذلك في وقفتها على المسرح بين المكرّمين، أو كان في حديثها البليغ عن مغزى استحقاقها لهذه الجائزة الثمينة، باعتبارها رمزا من رموز ثورة الشباب العربي السلمية.
كان أداء هذه اليمنية الرائعة وهي تتسلم الشهادة الذهبية من البيت الملكي النرويجي، أداء امرأة استثنائية ترفع الرأس حقا، ليس فقط لملايين اليمنيين أصحاب الحكمة والسيف والقلم، وإنما لملايين العرب الهاجعين بين الرمل والماء، والمسكونين بهاجس رد الاعتبار من تهمة الانحطاط، ونيل شهادة البراءة من سوأة الإرهاب.
وهكذا دخلت توكل على المنصة تحت أضواء الكاميرات الساطعة، وهي بكامل شمسها وجم تواضعها، لتنتزع لها ولنا جميعا، باستثناء علي عبدالله صالح ورهطه من الطغاة، وسام براءة واستحقاق وجدارة لما نحن أهل له من حضارة فاءت ذات يوم على محيطها بأنوار العلم حين كان الجوار يغط في ليل بهيم.
بدت لي هذه الابنة البارّة بوطنها الصغير وأمتها الكبيرة، حين كانت تدلي ببيانها بهذه المناسبة، خطيبا سياسيا مفوّها، يعرف سلفا ما ينبغي عليه قوله لجمهور امتلأت به القاعة الباذخة، فضلا عن ملايين المستمعين لها في الخارج، ويمتلك في الوقت ذاته رؤية عميقة عن مغزى منح هذه الجائزة لشباب الربيع العربي، صانع هذه الملحمة الإنسانية الكبرى.
لم تكن توكل تقرأ نصا أعده لها محترفو خطب المناسبات الرسمية، وراجعه قبل اعتماده خبراء علاقات عامة. فقد بدت لغة الجسد، ونبرة الصوت، ودفء العبارة، دلائل واضحة على أن حفيدة أروى وبلقيس هي التي كتبت الكلمة وتدربت على إلقائها، الأمر الذي ملأ المتلقين إعجابا بمضمون الحديث، وجعلهم يقاطعونه بالتصفيق وقوفا لأكثر من مرة.
وأزعم أن من فاتته مشاهدة توكل وهي تقدم شهادتها الشخصية في مآلات هذا الربيع العربي الراعف بالدماء الحارة بعد، قد فاتته لحظة قوامها أكثر من نصف ساعة آسرة لشغاف القلب، باعثة على الاعتزاز والفخر بواحدة من بنات العرب الحرائر والماجدات، الأمر الذي دعاني وسط هذا الانصراف عن التعليق على هذا الحدث الرائع، إلى كتابة هذه الأسطر احتفاء بالمناسبة وصاحبة المناسبة على حد سواء.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   عيسى الشعيبي