على المستوى الشخصي، لا أحب مناسبات الوداع أياً كانت آجال الإياب قصيرة. فإذا ما وجدت نفسي مضطراً إلى التساوق مع هذا التقليد الاجتماعي الدارج، أميل إلى إيماءة خفيفة بالرأس أو التلويح باليد عن بعد، تعبيراً عن ضيق صدر بالموقف، وأحياناً عن تطير شديد من هكذا مناسبة، أخشى أن تكون هي اللقاء الأخير بمن تشتاق إليه، وتطيب نفسك إلى استمرار التواصل معه بلا انقطاع.
ولا ينطبق هذا الشعور الغامض إزاء رهبة الوداع على ما يخص المناسبات المتعلقة بالأهل والأصدقاء والأحباب وحدهم دون غيرهم من أشخاص ومقتنيات وكائنات، عادة ما تؤدي العشرة الطويلة إلى التآلف معها، ويخلق التكرار وطول الزمان علاقة خاصة بها، بما في ذلك مطارح العيش والدراسة والعمل، وأماكن اللهو والشقاء والسمر، وأدوات الاستخدام المعمرة، وأشياء أخرى أقل أهمية مما نحتفظ لها بذكريات صغيرة عزيزة، لا تخلو من امتنان ما بدرجة ما.
وهكذا وجدتُ نفسي حائراً حيال كيفية الاحتفال بمناسبة وداع إجبارية، أزفت في موعدها، لعام مهيب يوشك على الانقضاء، عام كان مختلفاً عما سبقه من أعوام كثيرة مرت كئيبة وثقيلة الظل، مفعمة بالارتكاسات والخسارات وخيبات الأمل، كان كل ما انصرم واحد منها يتنفس عموم الناس الصعداء، فيما يود البعض منهم لو أن من اللائق به كسر جرة من الفخار وراءه، بينما يتبادل بعضهم الآخر كؤوس الأنخاب، وهم يمنون أنفسهم بعام جديد قد يكون أقل وطأة على الشأنين: الخاص والعام.
وعليه، فقد غالبتُ نفسي على الانخراط في حفل وداع مفتوح لكافة المحتفين، والمشاركة في مهرجان تأبين، أحسب أنه سيجري على نطاق واسع، بمناسبة رحيل عام استثنائي فاض على العالم العربي بربيع مديد، انجلت في غضونه تبدلات عميقة الغور، طالت ما لم تطله يد الشعوب من قبل، أسقطت الكثير من الأقنعة، قوضت العديد من المزاعم، نفضت ما لا يحصى من الأوهام، وطوت صفحات عدد من الطغاة والحكام المخلدين.
ذلك أن العام الذي نودعه اليوم هو عام البشارة بحمل في سن اليأس، بالتغيير الديمقراطي الذي طال انتظاره جيلاً وراء جيل، وعام التحقق من القدرات الشعبية على صنع ما بدا لوقت طويل على أنه ضرب من ضروب المستحيل، عام كسر حاجز الخوف من الخوف، ورد الاعتبار لمناقبية انتفاضة الشوارع وساحات التظاهر والميادين، وإعادة إنتاج مشهد عربي بات موضع محاكاة ومثالاً يحتذى به لدى الغير في أبعد الأصقاع.
وإذا كان من الصحيح أن هذا العام كان عاماً مثقلاً بالصعاب على أكثر من مستوى واحد، لاسيما في باب الاقتصاد، وفي وجوه أخرى من أوجه الحياة الاجتماعية، وفي دروب الخسائر الشخصية والآلام الفردية وغيرها من المفردات اليومية، إلا أنه يظل رغم ذلك كله، وبالقياس إلى ما سبقه على الرزنامة التاريخية، وما تسعف به الذاكرة الطرية، نقول يظل رغم ذلك كله عام الربيع الذي يستحق الوداع العرمرمي المهيب، بكامل مظاهر التقدير والاحترام والتبجيل.
ولعله حين يبتعد الزمن بنا أكثر فأكثر من العام 2011 الذي يستوجب وداعه كسر أشد التقاليد الذاتية صرامة في النأي بالنفس عن رهاب مناسبات الوداع، وتصبح هذه السنة جزءاً من الماضي القريب، سوف يدونها رواة التاريخ على الأرجح، على أنها كانت سنة تأسيسية لحقبة اكتشف فيها العرب أنفسهم صورة لهم خارج النمط البغيض، وأبدعوا حالة ثورية سلمية باذخة، تماهوا عبرها مع قوانين العصر وقيمه الحديثة، واستردوا من خلالها بعضاً من تاريخ تليد، كمساهمين أصلاء في بناء المنجز الحضاري المشترك بين سائر الأمم والشعوب.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   عيسى الشعيبي