الجيلي حامد البدري


مرّ بحمد الله شهر رمضان المعظم وحل علينا شهر شوال وهو من أشهر الحج، والزمان عند المسلم كله زمان ما دام المعبود موجود على مر الزمان، وإن كان بعض الناس له رأي آخر خلاف لذلك، فهم غالبا ما يودّعون كل جميل من الفعال والخصال مع رمضان فهم بهذا عندهم قصور نظر في مسألة التعبد.
انسلخ رمضان وبانسلاخه رجعت الحيّات حيات بعد أن كانت حبالا، والسباع سباع بعد أن كانت جمالا، والثعالب ثعالب بعد أن كانت خرافا، وودع كل مصلٍّ مصلاه على أمل اللقاء به العام القادم، ثم عادوا كلهم إلا من رحم الله بشوق إلى خصال تركوها من أجل رمضان كشرب الشيشة والجلوس مع الفتيات في المقاهي والكافيتريات والحدائق العامة حتى أصبح ذلك شاذ على خلاف ما كان مألوفا قبل رمضان، حتى لعنتهم أعين الناس من خلال منافذ الحافلات ولسان حالها يقول: عليكم اللعنة أما تعرفون الله إلا في رمضان؟.
يقول البعض إن الحال تتحسن في رمضان بسبب تقييد الشيطان فأغلب الناس ليس لهم القوة على صرع الشيطان ولو بكلمة (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم) لأن الكلمة تستمد القوة من قوة الجنان قبل فصاحة اللسان، فأنت ترى الناس مسرعين للمعاصي بعد رمضان والسبب أنهم يَعْدُون بأرجل إبليس الذي خرج من محبسه وانفك من قيوده، فهو في شوق للحرية التي حرم منها مدة شهر.. فالمتنزّهات ملئت لهوا كثيرا ولعبا، واختلط الجنسين بطريقة مفزعة في لبسٍ خليع وكلام مبتذل ولسان كل منهم قول الشاعر:
رمضان ولى هاتها يا ساقي مشتاقة حنت إلى مشتاق
المنسلخ صعب عليه أن يعود إلى ما انسلخ منه ولكن في مقدوره أن ينسلخ مرات ومرات إلى أشكال أخرى وطباع أخرى كل واحدة منها أسوأ من الثانية، ولا حظ ذلك في كل إنسان ليس له مبدأ.. تراه يتجول في الأحزاب والجماعات، فمرة كذا ومرة كذا ويُعْلَن عنه في الصحف أنه انسلخ من الحزب الفلاني وانضم إلى الحزب الفلاني فقلّ أن يثبت في مكان.. إذا انتفت الدواعي التي دفعته للانسلاخ من ثوبه الأول، فكل صائم رمضان صام ثم أفطر على ما صام عنه فهو منسلخ عن كل بر وكل خير يمكن للإنسان أن يستفيد منه في رمضان، وما أدري ما هي وجهة نظر المشايخ في هذا الصنف من الناس، وكيف ينظرون إلى عبادتهم هذه التي تبدو عرجاء لا تستطيع السير أكثر من شهر ثم تنزلهم بعد ذلك في قاع العراك الشهواني على ملذات الدنيا من حب شهرة أو سلطة أو شهوة أو ثروة. ومما زاد العرج في عبادة بعض الناس فلل سوداني وسيارات زين، حيث كان جل دعاء الناس خصوصا في العشرة الأواخر من رمضان أن تكون الفيلا من نصيب أحدهم أو السيارة أو الـ 25 مليون بدلا من أن يقول: (اللهم إنك عفو كريم تحب العفو فاعف عني) يقول: (اللهم اجعل من نصيبي الفيلا إن كان سوداني أو السيارة إن كان زيني) فخرج من المولد بلا حمص كما يقولون إلا حموضة في فمه، حسرة على ما فرط في رمضان، ورمضان في انتظار الجميع إذا مدّ الله في الأعمار فعلى الجميع أن ينتظروا رمضان على أبواب طاعة الله بقلوب خاشعة وأنفس قنوعة حتى بدخول رمضان بنية ألا خروج.

المراجع

شبكة المشكاة الاسلامية

التصانيف

عقيدة إسلامية   عقيدة   مسائل اجتماعية