مع إبداء كامل التفهم لخيبات الأمل المتلاحقة، وفهم دواعي حالة الشك المستحكمة بعقول السوريين المكتوين بنار المهل وفترات السماح الممنوحة للنظام القمعي المتوحش، وفوق ذلك تقبّل تحفظاتهم المشروعة إزاء المعالجات الدبلوماسية العاجزة عن وقف حمام الدم المروع، فإن ذلك كله لا ينفي حقيقة أن الأزمة المستفحلة قد اجتازت بعد لأي شديد نقطة تقاطع مهمة على طريق التفافية طويلة، وانتقلت من كونها مسألة داخلية محكومة بموازين قوى مختلة، إلى كونها قضية تحت سلطة مجلس الأمن الدولي.
ولعل إجراء مقارنة سريعة بين ما كان عليه موقف النظام غداة انعقاد أول اجتماع لوزراء الخارجية العرب، وبين ما آل إليه الغرور السياسي وعماء البصيرة من عزل وتهميش وصل حد النبذ والإقصاء فيما بعد، يدلنا على أن التراكم الكمي المتدرج على مسار المقاربات الدبلوماسية الحذرة، قد تحول إلى تراكم نوعي، أفضى في النهاية إلى فتح نافذة جانبية تهب منها رياح عاصفة، هشمت صورة النظام المتكبر، ونزعت من بين أسنانه الفولاذية مزاعم الفرادة عن غيره كدولة ممانعة محصنة.
كانت بعثة المراقبين العرب، على كل ما اعتراها من عيوب ونواقص، أول مسمار في نعش دفوعات النظام المغالي بشدة في التمسك بشرعيته الكاملة وسيادته المطلقة، وذلك بمجرد أن أكره على الدخول في امتحان تبرير ذاته، وأجبر على وضع تصرفاته تحت عين الرقابة والمحاسبة من خصومه. كما كان فشل تلك البعثة المتوقع سلفاً، بمثابة خطوة استهلالية، لترفيع الأزمة ونقلها من النطاق الإقليمي إلى المستوى الدولي، على نحو ما جرى عليه الحال مؤخراً في بيان رئاسي، وقرارين متعاقبين لمجلس الأمن أطلقا بعثة كوفي أنان المشتركة.
ومن غير أي مجازفة في التفاؤل بمهمة هذه البعثة المشتركة، فإن دخولها حيز التطبيق مهما كان عسيراً، أمر من شأنه أن يخلق ديناميات جديدة في مسار الأزمة. إذ من المقدر لكل إجراء أن يزيد من زخم قوة الدفع المتكونة، وأن يفتح أمام ثورة الكرامة والحرية مسارب أوسع من ذي قبل لاستعادة زمام الفعاليات السلمية، فيما يشكل كل قيد إضافي على تفلتات النظام تقليصاً لقدراته على المراوغة، ومن ثم دفعه دفعاً إلى الملاينة وإظهار حسن النية، وهو تطور من شأن تحققه أن يحدث الانعطافة المطلوبة، ويضع النظام المستبد أمام لحظة الحقيقة الكاملة.
ومع أن التجارب المريرة السابقة تدعو إلى الحذر، يمكن القول إن التعويل على مهمة كوفي أنان يستحق الرهان، كونها تشكل مخرجاً لروسيا التي تبدو شديدة التمسك بهذا البديل عن استمرار التمسك بنظام انتهى في واقع الأمر، ويجنبها متاعب مجابهة طويلة مع الغرب، ومحرجة مع العرب. وفوق ذلك، فإن ما تمتلكه هذه البعثة من تغطية سياسية، وجداول زمنية، وإمكانات لوجستية، وآليات مراقبة دورية، أمر يؤهلها لتحقيق اختراق نوعي، وإيجاد فرصة يمكن البناء عليها أكثر بما لا يقارن من البعثة العربية.
إن ما تنطوي عليه بعثة كوفي أنان من ممكنات واعدة، قد يشكل نقطة اللاعودة في مسار حل الأزمة، حتى وإن تعثرت أحيانا، وهي الفرصة السانحة لإدارة الأزمة حتى لا نقول حلها. وأكثر من ذلك، فإن فشلها سوف يبني على الشيء مقتضاه، ويعجل في تدفيع النظام المعزول كامل استحقاقات الإخفاق في الوفاء بالتزاماته، وبالتالي بناء خيارات أخرى، تشرع الأبواب أمام معالجات جراحية قاسية تلوح في أفق قريب.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد عيسى الشعيبي