العنوان أعلاه مأخوذ بنصه الحرفي من تصريح توبيخي عنيف أدلى به يوفال ديسكن، رئيس جهاز الشاباك الإسرائيلي، يوم الجمعة الماضي. التصريح قيل أمام عدد من ضباط الاحتياط والمتقاعدين، وفيه وصف ديسكن رئيس حكومته بنيامين نتنياهو ووزير حربه أيهود باراك، بأنهما "كلبان ينبحان ولا يعضان"، وذلك في معرض تحذيره الجمهور من زيف أقوال هذا الثنائي المهجوس بشن حرب استباقية ضد إيران.
ويكتسب هذا التوصيف أهميته من مكانة صاحبه الذي يعرف عن كثب ماهية هاتين الشخصيتين المراوغتين اللتين تقودان إسرائيل في هذه المرحلة. وفوق هذا، هو يرى ما لا يراه الآخرون مثلنا، من خفايا وحقائق وخطط وتقويمات سرية تجري وراء الأبواب الموصدة.
وفيما يشبه تقليداً درج عليه معظم القادة الأمنيين والعسكريين عقب مغادرتهم لمناصبهم، أظهر ديسكن في موقفه هذا ميلاً مفاجئاً نحو الواقعية والاعتدال، وحساً أعلى بالمسؤولية، لم يتحلّ بها في أيّ يوم وهو على رأس جهاز المخابرات الإسرائيلية العامة، حين فض التباسات كل هذا التردد الطويل إزاء مغامرة الهجوم على إيران، وأماط اللثام عن جوهر سياسات حكومة نتنياهو-باراك المتنكرة لاتفاقيات السلام المعقودة مع العرب والفلسطينيين، وحذر من ارتفاع ضغط البخار المتزايد في مرجل الشرق الأوسط.
ويعيد موقف ديسكن إلى الأذهان موقفاً مماثلاً اتخذه رئيس جهاز الموساد السابق مائير داغان، غداة خروجه من المنصب الذي استقر فيه على مدار ثلاث حكومات إسرائيلية متعاقبة. فذلك القاتل المحترف أطلق قبل نحو عام تصريحات مدوية، ليس أقلها أن حكومة نتنياهو-باراك هي أخطر على إسرائيل من إيران، وأن هذا الثنائي القابض على مقاليد الدولة العبرية، ثنائي متهور وغير مسؤول، ينبغي منعه من أخذ إسرائيل إلى حرب لا تعرف فيها جواباً عن سؤال اليوم التالي لشن مثل هذه الحرب.
ولعل علامة الاستفهام الكبيرة التي ترتسم في الأذهان العامة، خصوصاً لدى المراقبين خارج إسرائيل، هي ما الذي يدور حقاً داخل أسوار تلك القلعة الإسبارطية من سجالات مكتومة حول خيارات الحرب والسلام؟ وما الذي تنطوي عليه مثل هذه الخلافات العلنية غير المعهودة في السابق، بين أركان الدولة النائمة على أسرار نووية مكشوفة؟ فنحن إزاء إشارات ملغزة تنم منذ الوهلة الأولى عن اضطراب شديد في مركز صنع القرار، وعن حالة عدم يقين باتت تستبد بالجنرالات العارفين ببواطن الأمور.
بداية، نستبعد تماماً أن تكون هذه النزاعات الداخلية الإسرائيلية لعبة توزيع أدوار، أو مجرد منافسات شخصية بين قادة مسكونين بطموحات سياسية مبررة، وذلك لما تشي به مثل هذه الحروب الكلامية المتواترة من حدة لفظية، واتهامات قاسية، لا تطال أرباب السفينة المبحرة وسط أمواج تغيرات إقليمية عاتية فقط، بل تمس أيضاً العمارة البحرية العائمة ذاتها، أو قل لُباب السياسات الإسرائيلية المتعلقة بقضايا المصير، وأسئلة الوجود، والتباسات المستقبل، على نحو ما تجلت عليه تصريحات ديسكن وداغان وغيرهما من ذوي الياقات الحمراء.
وعليه، فإن من المرجح، بقوة، أن تكون مثل هذه المواقف والتصريحات المرتابة بحاضر إسرائيل ومستقبلها، مظهراً من مظاهر حالة تمزق داخلي عميق حول الرؤى السائدة، والمفاهيم القديمة، والخيارات الصعبة، والأفضليات الشحيحة. كما من المرجح أيضاً أن تكون مشهداً يُرى بالعين المجردة يشير إلى افتقار إسرائيل لقيادة من وزن أولئك الآباء التاريخيين المؤسسين للدولة. هذا الأمر يمكن تلمسه من خلال هذه المعارك الكلامية الطاحنة بين أناس مرتبكين وخائفين وكذابين، أمسكوا بدفة السفينة وهي تعبر برزخا مليئا بالصخور الناتئة.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد عيسى الشعيبي