ما سأتحدث عنه في هذه العجالة ليس شخصاً بعينه من لحم ودم، له لسان وشفتان، وهوية أحوال مدنية ورقم وطني؛ ولا هو أيضاً كائن تخلّق من بنات أفكار روائي متمكن، يبتكر الشخوص وينطقها كيفما يشاء له الخيال؛ بل الحديث هنا عن ظاهرة فردية تنتجها الدولة الشمولية، وتعيد تشكيلها على نحو يشبه الدكتاتور بدون أن يضاهيه، أو قل صورة تحاكي الأصل في الظاهر من غير أن تكون نسخة عنه.
ولعل موسى إبراهيم، الناطق باسم معمر القذافي في أواخر عهده البائس، هو آخر النماذج الطرية في الذهن، المجسدة لمثل هذه الشخصية النمطية التي تتوهج بشدة، وتخطف الأبصار بقوة في المطاف الأخير من زمن الانهيارات المدوية لأنظمة القمع والترويع؛ إذ يسجل التاريخ أن لكل طاغية "موسى إبراهيم" خاصاً به، يأفل نجمه مع أفول شمس سيده، ولا يترك لنا سوى التندر على مزاعمه، واستعادة تلك المكابرات المضحكة.
وها نحن اليوم في زمن الثورة السورية المجيدة نجد قبالتنا أكثر من موسى إبراهيم واحد، يقومون في دمشق بذات المهمة التي شاهدنا مثيلاً لها في طرابلس الغرب، ويؤدون فيها الدور نفسه الذي برع في أدائه الناطق الوحيد باسم القذافي، الأمر الذي يغري بعقد عدد من المقارنات واستحضار بعض المشتركات بين هؤلاء الشبيحة المدافعين عن نظام استبدادي بات يعد أيامه، وبين موسى إبراهيم القذافي، لنرى أن النتيجة على تواضعها هي في صالح ذلك الليبي الذي قيل إنه هرب، وقيل إنه اعتقل متنكراً في ثياب امرأة.. والله أعلم.
ومع أن موسى الذي اتضح لنا فيما بعد أنه من قبيلة القذاذفة، كان شاباً سنه في حائط الأربعين، له إطلالة حسنة المظهر قياساً بعبدالله السنوسي مثلاً، ولديه قدر كبير من التواضع المشوب بالخجل الشخصي، ناهيك عن معرفة جيدة بمخاطبة الرأي العام، وإتقان شديد للإنجليزية، إلا أن أقرانه في دمشق، وهم كثر على شاشات الإعلام، ليس بينهم من لديه موهبة موسى ولا عصاه، إن لم نقل إن كل واحد منهم أغلظ (بحرف الزين) من الآخر.
كان موسى إبراهيم بمثابة لسان لدكتاتور أحمق، ظل حتى الساعة الأخيرة من حياته يعتقد أن الجماهير المؤمنة بكتابه الأخضر سوف تزحف من الصحراء لتدافع عن أمجاده. أما شبيحة الإعلام السوري، فالواحد منهم يبدو، بصيغة المفرد، بمثابة لسان لدكتاتور جبان، قال عنه عمه رفعت قبل أكثر من نصف عام، إنه لو كان حافظ الأسد حياً لكان قد قتل أكثر من مئتي ألف سوري وما تردد، في سبيل إعادة ترسيخ حكم العائلة.
وإذا كان من الصحيح أن موسى الليبي، وجميع أشباهه السوريين، تحدثوا عن عصابات إرهابية مأجورة، وعن "قاعدة"، وجرذان وجراثيم وغير ذلك من المفردات المتماثلة، وحاولوا جميعهم التمويه على الوضع الآيل للسقوط، وبث طمأنينة مزيفة لدى الرأي العام المحلي، مهونين من شأن التطورات غير المواتية، زاعمين أن الوضع على خير ما يرام، فإن من الصحيح أيضاً أن موسى القذافي كان يسعى إلى إظهار ليبيا كضحية للغرب، فيما نظراؤه في الشام يسعون جاهدين إلى تقديم نظام الأسد كقلعة ممانعة، وكعبة كفاح ضد الإمبريالية المتهالكة.
لقد مضى موسى إبراهيم القذافي في نهاية المطاف إلى حيث يمضي الدجالون في مكب صغير للنفايات البشرية، وخسر كل شيء وربما خسر حياته، أما نظراؤه السوريون، فقد فاز البعض منهم بعضوية مجلس الشعب، لقاء البلاء الذي أبلوه على الشاشة السورية وغيرها من المنابر التي صنعت من هؤلاء نجوماً، والبعض الآخر منهم ما يزال ينتظر، فيما قلة قليلة منهم توارت عن الأنظار بعد أن تسلل الارتياب إلى نفوسها، وأخذت تحسب الحساب لعاقبة قد تكون أشد هولاً من عاقبة موسى القذافي المذلة.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد عيسى الشعيبي