لم تعرض القنوات الفضائية سوى جزء يسير من الشريط المصور لزيارة الممثلة الأميركية الشهيرة أنجلينا جولي إلى مخيم اللاجئين السوريين في الزعتري، وكان ذلك كافياً لهذه القنوات المضغوطة دائماً بعنصر الوقت، ومُرضياً للمتلقين الراغبين في قطف مشهد من هنا وخبر من هناك، لأخذ العلم بمجريات الحالة السورية، وتكوين أشمل معرفة ممكنة عن تطورات الموقف يوماً بيوم، وأحياناً ساعة بساعة.
غير أن الأنباء التي تحدثت عن دموع سفيرة النوايا الحسنة للمفوضية العليا للاجئين، أثارت لدي الفضول، وحملتني على البحث في شبكة الإنترنت عن الشريط المصور لهذه الممثلة ذائعة الصيت، متسائلاً بيني وبين نفسي: هل اغرورقت تلك العينان الواسعتان حقاً بالدمع؟ وهل اكتسى ذلك الوجه الملائكي الوضيء بمسحة حزن تشف عن حس إنساني رهيف بالفعل؟ وهل ارتجفت شفتا أنجلينا المكتنزتان تأثراً بحالة اللاجئين المزرية؟
لم يكن الفضول المثخن بحب الاستطلاع وحده ما حملني على إغناء الذاكرة البصرية بمشاهد زيارة السيدة الآتية من هوليوود إلى مخيم الزعتري، بل كانت جملة من الأسئلة الجارحة والمفارقات الفارقة، ناهيك عن ثنائية الصورة النمطية لفنانة لم تدخل الأربعين من مشمشها بعد -بحسب محمود درويش- وقد بلغت المجد من طرفيه مالاً وشهرة، وبين رهط من الفنانات السوريات المعرضات عن إظهار أدنى تماثل، وبيان أقل قسط من التعاطف مع بنات وطنهن المثقل بالركام فوق الأشلاء والجراحات النازفة.
وبالفعل، فقد أشبعت ميلي الفطري إلى حب الاستطلاع، واستمتعت كثيراً بمشاهد الزيارة، خصوصاً صور استقبال الأطفال وتحلقهم حول السفيرة، وانفعالاتهم البريئة بهذا الاهتمام بهم من لدن نجمة تلألأت في سماء هوليوود وفي فضاء العذابات الإنسانية، وكأن أحدا أسرّ لهم سلفاً أن الضيفة التي طبقت شهرتها أربع جهات الأرض، سوف تحل بينهم، وتصغي لحكاياتهم، وتنقل بعضاً من آلامهم، وتساعد على التخفيف من عذابات هجرتهم القسرية.
ما إن انتهيت من مشاهدة مقاطع الفيديو المصورة عن هذه الزيارة، حتى عادت إلى الذهن تلك المفارقات والمقارنات بين أنجلينا جولي التي شرقت بدموعها في الزعتري، وغالبت نفسها بصعوبة وهي تتحدث عن مشاهداتها في المخيم الصحراوي، وبين نفر بين ظهرانينا يدعون إلى إقفال الحدود تارة، ويهولون من مخاطر استضافة المهجرين على البنية التحتية، ناهيك عن قول بعضهم إن هؤلاء الفارين بأرواحهم جاؤوا إلينا بحثا عن منافع اقتصادية، أو أنهم ظاهرة مفتعلة يتم توظيفها في سياق المؤامرة الكونية.
وما دام الشيء بالشيء يذكر، فإنه ينبغي القول إن أنجلينا جولي تبرعت بما مجموعه عشرون مليون دولار نقداً للاجئين الذين طافت على ملاذاتهم البائسة من باكستان إلى كينيا ودرافور وسيراليون، إلى لبنان والعراق وليبيا والصومال، إلى أن حطت مؤخراً في مخيمات اللاجئين السوريين في تركيا ثم الأردن، ولم تعتب عليها سوى مخيمات اللاجئين في غزة والضفة الغربية. فكم نجماً عربياً أو ثرياً من أبناء جلدتنا عمل ما عملت أنجلينا، وقدم عشر أعشار ما قدمته هذه الممثلة المهمومة بضحايا الحروب والنزاعات الأهلية؟
في ختام جولتها على مخيم الزعتري، قالت أنجلينا جولي بتأثر باد على وجهها الإنساني النبيل: "أنا قلقة للغاية على مصير هؤلاء، والعالم قلق أيضاً. ما يكسر القلب هو عندما يسألك سوريون لاجئون عن السبب الذي تعتقد أنه وراء عدم تمكن أي أحد من التوصل إلى حل لمشكلته حتى الآن". ولو قدر لي أن أكون حاضراً في تلك اللحظة لقلت لها: إن تضارب مصالح الدول الكبرى، وتخاذل الإخوة الضعفاء، وروح الفرقة لدى الأشقاء الأعداء، وجنون الطاغية، تضافرت معاً لتصنع هذا المصير البائس لهؤلاء اللاجئين المضيعين على مذبح شهوة الدكتاتور للسلطة المطلقة.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   عيسى الشعيبي