كم تبدو مثيرة للخيال، وباعثة على التمعن العقلي، ودافعة إلى استخلاص الدروس والعبر الثمينة، حكاية صعود حركة إسلامية مصرية كبيرة ومتجذرة، من عوالم السجن وغياهب الخطر ومناقع الاضطهاد، إلى سدة الحكم عبر صندوق الاقتراع في زمن الربيع العربي، وهبوطها، من ثم، في وقت قياسي قصير، إلى هذا المنحدر الشديد، حتى لا نقول النهاية المتدرجة، جراء محاولاتها المستميتة للاستئثار بالسلطة، وسعيها الحثيث إلى "أخونة" الدولة، وتغولها على السلطات كافة.
فمن كان يصدق حتى الأمس القريب، أن ملايين المصريين الطيبين، الذين منحوا ثقتهم لرموز الجماعات الإسلامية، وأقعدوهم في البرلمان، وحملوهم إلى سنام السلطة، سوف يحرقون بعد أشهر قليلة عدداً من مقرات هذه الحركة، ويهتفون ضد حكم المرشد في ميدان التحرير، ويقلبون لها ظهر المجن، بعد أن عقدت المرارة حلوقهم وهم يرون ثورتهم وقد اختطفت من بين أيديهم، ويشاهدون الدولة الديمقراطية الناشئة تغذ الخطى نحو دولة "ثيوقراطية" استبدادية لا تشبههم؟!
وباعتبار أن اللحظة المصرية كانت دائماً لحظة فارقة في حياة الأمة، منذ الدولة الأيوبية وحتى يومنا هذا؛ تخاطب العرب بقدر ما تخاطب المصريين أنفسهم، فإن موقفنا من قرارات الرئيس محمد مرسي الداخلية، ليس مساجلة ولا مماحكة مع مداخلات مؤيدي الجماعة المحظوظة بين ظهرانينا، المنافحين عن قراراتها بالجملة، والمهولين بالتخوين والتكفير على كل من ينبس ضدها ببنت شفة.
وعليه، فقد بعث ذلك الإعلان الدستوري الصادم، بما انطوى عليه من ميول فاشية عميقة، كل الهواجس المقيمة في المحيط العربي، إزاء فرضية تعزز نفسها بالسوابق القليلة المتفرقة في بلادنا، وهي أن الانتخابات لدى الإسلام السياسي لا تُجرى إلا مرة واحدة، وأن الديمقراطية البرلمانية ما هي إلا وسيلة اضطرارية للوصول إلى السلطة، بعد أن عزّت الوسائل الانقلابية والخيارات الجهادية، وتجذرت مقومات الدولة العصية على أخذها من الداخل على حين غرة.
وإذا كان مقدراً لما يسميه المصريون عملية "التكويش" على السلطة أن تخسر هذه الجولة كما هو مرجح، فذلك مرده ثقة إخوانية زائدة بالنفس لم تكن في محلها، واستعجال على قطف الثمرة قبل نضوجها، واستعداء للشركاء في مسيرة الثورة وهي بعد في عسير مخاضها، وعدم كفاءة القوم في إدارة الدولة، ناهيك عن تسعير مخاوف داخلية أكثر فأكثر، وبعث قلق خارجي على الديمقراطية الوليدة، لم تهدئ من روعه نجاحات وقف إطلاق النار في قطاع غزة، وترفيع مكانة مرسي الإقليمية والثناء عليه أميركيا وإسرائيليا بشدة.
ولعل ردة الفعل المتنامية إزاء هذا التغول على الحياة السياسية، وإثارة المعارك الجانبية مع الإعلام والقضاء والمثقفين والنساء والأقباط والنقابات والبورصة، وسائر القوى المدنية الليبرالية، تكشف حقيقة أن ميزان القوى الاجتماعية المصرية لم يختل بعد، على نحو يتيح للمتعجلين حرق المراحل واستكمال مسار "أخونة" الدولة وكسب غمار هذه الجولة، التي قد تفضي إلى مرحلة من الفوضى، والعنف والاضطراب المغري للجيش بالعودة إلى صدارة المشهد، وذلك على ضوء تبدد الرصيد الداخلي للإخوان المسلمين بسرعة فائقة، وتآكل مكانة مصر وضمور دورها الإقليمي المستعاد لتوه، ناهيك عن بعث الشكوك الدولية حقا في إمكانية إقامة دولة إسلامية ديمقراطية تعددية معتدلة.
إزاء ذلك كله، فإنه بقدر ما غيرت الثورة الشعبية المصرية، قبل نحو أقل من عامين، المشهد بكامله في الشرق الأوسط، وأعطت للربيع العربي قوة دفع هائلة، فإن من المرجح أن يشكل هذا المخاض المتجدد، وبالقدر ذاته، استدراكاً كان مرغوباً به، كي يتم استرداد هذه الثورة المختطفة، وتخليصها مما علق بها من عيوب كثيرة، ومثالب جرى توظيفها من جانب الحكام الاستبداديين العرب، لإظهار الربيع على أنه محض خريف إسلامي، ينتج فوضى سياسية اجتماعية عارمة، ينبغي وأدها في مهدها باستخدام كل ما لدى الطغاة من فائض قوة مجنونة على نحو ما يجري اليوم في الديار السورية.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد عيسى الشعيبي