لا تحظى مفردة العولمة بسمعة طيبة في بلادنا، ولا تنظر النخب السياسية والفكرية والإعلامية العربية إلى هذا المفهوم الجديد في الفضاء الثقافي نظرة ايجابية، إذ بدا للكثيرين أن العولمة واحدة من تجليات التغريب، وأنها مرادفة لـ"الأمركة"، بل ورجساً من عمل الشيطان ينبغي اجتنابه، خصوصاً من جانب ذوي الأيديولوجيات الصارمة، وأصحاب النزعة الاجتماعية الثورية، وكل المحاربين عبر الأثير ضد الكلونيالية والإمبريالية.
ورغم الهجمات الكلامية الضارية ضد هذا المصطلح الإشكالي، وضد تطبيقاته الاقتصادية أساساً، فقد ظلت هذه الظاهرة المركبة تواصل بنجاح لافت تقدمها الكاسح في الميدان، وتفعل فعلها الكاسح في عالم ما بعد نهاية الحرب الباردة ، لا سيّما بعد انفجار ثورة الاتصالات والمعرفة، وتحول العالم أحادي القطبية إلى قرية كونية صغيرة، يرى فيها الناس ويسمعون بعضهم بعضاً، ويتبادلون الآراء والصفقات والمعارف والأخبار بدون موانع فيما بينهم.
على العموم، فقد أنهت العولمة عصر الأيدولوجيا، وقوضت البنى السياسية التقليدية والمركنتيلية والمفاهيم الاقتصادية القديمة، وبدت كظاهرة تاريخية كبرى لا رادّ لها، أو قل كخاصية من خصائص القرن الحادي والعشرين، تماماً على نحو ما كانت عليه ظاهرة القوميات والاشتراكية في بدايات القرن العشرين، وقبلها الثورة الصناعية الأوروبية قبل قرنين من الزمان أو أكثر، الأمر الذي يشير إلى الأهمية الاستثنائية المؤكدة لهذه الظاهرة الحداثية في زمن البث الفضائي والإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي.
غير أن جل ما يعنينا في هذا المقام من مفهوم العولمة هذا، هو الجانب السياسي على وجه التحديد، وليس تلك التنظيرات التي سادت من قبل حول آفة الشركات متعدية الجنسية، باعتبار أن هذه الظاهرة لا تقتصر نطاقاتها اليوم على عالم الأسواق والأموال وثقافة الاستهلاك، بل تجاوزت ذلك إلى عالم السياسة والعلاقات الدولية والحريات، بعد أن بهتت الحدود بين الدول، وضعفت وسائل المنع وقيود الرقابة، وتضاءل مفهوم السيادة القومية التي كانت حتى الأمس القريب كلية القداسة، وبعد أن بات القانون الدولي وتشريعات حقوق الإنسان تعلو منزلة على القوانين الوطنية.
وأحسب أن اشد المتضررين من شيوع ظاهرة العولمة وتحولها كناظم رئيس للعلاقات المتغيرة على مسرح السياسة الدولية، هي الأنظمة الشمولية المستبدة التي ناهضت العولمة باعتبارها شكلاً من أشكال الهيمنة الاستعمارية في ثوبٍ جديد، وضرباً من ضروب التدخّل في الشؤون الداخلية للدول المستقلة، وذلك كله بهدف حماية الطغاة لأنظمتهم البوليسية، ومنع أي تجاوز على سلطاتهم التحكمية المغلقة، والتعتيم كلياً على كل ما قد يقارفونه من انتهاكات فظة ومصادرات للحقوق الأساسية لشعوبهم المضطهدة.
ولعل إلقاء نظرة سريعة اليوم على خطاب "القومجيين" و"الثورجيين" المنافحين عن بقايا نظام بشار الأسد منذ بدء الانتفاضة الشعبية السورية المجيدة، وجلاء فحوى الدفوعات المتهافتة لناطقي هذا النظام ، تبين بوضوح شديد مدى تبرّم هؤلاء وشدّة تطيرهم من سلطة الفضائيات وشبكة الإنترنت، ناهيك عن مجلس الأمن والأمم المتحدة ومجلس حقوق الإنسان، وغير ذلك من مخرجات النظام الدولي الجديد في عصر العولمة التي غدت قوة ضد الانغلاق والاستفراد والتغول والاستبداد، وكل ما يواصل ارتكابه واحد من آخر مخلفات عهد الأنظمة الدكتاتورية في القرية الكونية الصغيرة.
صحيح أن العولمة هي واحدة من منتجات الحضارة الغربية، وبنتاً من بنات بيئتها المجددة لنفسها بنفسها، وتطبيقاّ من تطبيقات تهذيب الرأسمالية المتوحشة، إلا أن من الصحيح أيضاً أن هذه الظاهرة التي حققت ذاتها بجدارة في ميادين الاقتصاد والتجارة والمال والاتصالات والأعمال، قد أصبحت في طورها الراهن رافعة سياسية من روافع حقوق الإنسان، وسيفا مسلطا على رقاب الطغاة، إن لم نقل أنها باتت الملاذ الأخير لبعض الأمم والشعوب التي تتعرض حتى يومنا هذا للقتل والترويع والامتهان، وذلك إن لم نقل أيضا أنها غدت مبرراً أخلاقياً كافيا لتسويغ التدخل الخارجي المكروه دائما، وذلك حين تنطبق السماء على الأرض في كثير من البلدان الغارقة في الدماء والقمع والدموع ولا يعود هناك من خيار بديل.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد عيسى الشعيبي