يمكن القول بشيء من المجاز، إنه بعد أن أطال باراك أوباما الوقوف بين ظلال الكلمات الباهتة، من مثل أن "الأسد فقد شرعيته وعليه التنحي"؛ وبعد أن تورط سيد البيت الأبيض برسم خط أحمر في مسألة استخدام الأسلحة الكيماوية، ثم أشاح بناظريه عن الأدلة التي قدمها له حلفاؤه، من إسرائيل إلى فرنسا وبريطانيا وتركيا، طالباً المزيد عن هوية من استخدم الكيماوي ومتى وأين جرى ذلك؛ قام الرئيس الأميركي القابع عميقاً في قلب الـ"إستابلشمنت" بالانشقاق مؤخرا عن أوباما، لاستعادة صولجان واشنطن وزعامتها العالمية، وإعادة موضعة الدولة العظمى الوحيدة في المكانة المحجوزة لها بدون منازع.
إذ يبدو أن الرئيس الأميركي الحقيقي هو كائن آخر؛ غير باراك أوباما الحاكم المتردد الانسحابي البارد المهادن. وأن ذلك الرئيس الذي يمكن أن نبصره بدون أن نرى ملامح وجهه، هو حاصل نتاج مراكز صنع القرار الاستراتيجي، وربان سفينة النظام والمؤسسات والجيش ومجتمع الاستخبارات، ناهيك عن معاهد التفكير وغرف بناء الخيارات، وحفظة المبادئ والقيم والمصالح والثقافة، وصورة الدولة التي ترمز في حد ذاتها إلى معاني القوة والعظمة والريادة والوفرة، والجدارة المستحقة لقيادة مجلس الأمن والمجتمع الدولي وحلف شمال الأطلسي "ناتو" وصندوق النقد والبنك الدوليين ومنظمة التجارة العالمية، وما لا يعد من تكوينات سياسية وعسكرية واقتصادية عالمية لا حصر لها.
لقد بدا أوباما، القادم من جامعة هارفارد، مجرد مدير لإدارة أعظم قوة عرفها الجنس البشري، طوال نحو خمس سنوات؛ تراجعت فيها منزلة أميركا عما كانت عليه من قبل. إذ بهت حضورها، وتهافت دورها، وتواضعت فاعليتها، وتبدلت أولوياتها، وانحسر نفوذها السياسي هنا وهناك، الأمر الذي أحدث خللاً نسبياً في التوازنات الدولية، وشجع الكثيرين على الضرب لها بقبضاتهم على الطاولة، وذلك على نحو ما تجلى عليه حال الولايات المتحدة منذ نحو عامين من عمر الأزمة السورية، التي أدى تهاون أوباما إزاء مضاعفاتها الواسعة، إلى انشقاق الرئيس الأميركي الرابع والأربعين، أخيرا، عن ابن حسين أوباما.
ذلك أنه في ظل غياب الدور القيادي الحاسم للولايات المتحدة عن خشبة المسرح في الشرق الأوسط مثلاً، تراجعت القضية الفلسطينية، وتقيحت الجروح العراقية، وانسدت الدروب على ثورة الكرامة السورية، فيما بدا كل تحرك أوروبي بلا فائدة، وكل مسعى دبلوماسي بلا فاعلية. وانفجرت الأزمات الموضعية في كل مكان، واستعصت الحلول على كل جهد مبذول. وذلك كله لعلة افتقار الدبلوماسية إلى قوة الدفع الأميركية التي لا غنى عنها، واحتجاب سيد البيت الأبيض عن القيام بدوره كرئيس لرؤساء العالم، وشيخ مشايخ العشيرة الكونية، وصاحب القول الفصل في البر والبحر والجو.
ولعل التغيير الأخير في الموقف الأميركي إزاء الأزمة السورية، وما رافقه من تفاعلات سياسية وعسكرية ما تزال جارية، هو الدليل بعينه على أنه عندما تسترد واشنطن عصاها الغليظة، وتهش بها على الأعداء والخصوم والحلفاء والأتباع، تعود الرياح إلى مجاريها، والساعة إلى دقاتها الطبيعية، وينتظم سير القافلة على إيقاع حاديها؛ تماماً على نحو ما تجلّت عنه مواقف العرب والأوروبيين والأتراك في هذه الآونة التي تشهد اصطفافاً كان متعذراً حتى الأمس القريب، وتحركاً متواصلاً، وحشداً يتراكم على طول الطريق المفضية إلى إعادة الأمور لنصاب توازناتها في الشام بعد لأي شديد.
بكلام آخر، فقد ظل أوباما يتحسب من ظله، ويحسب ألف حساب لكل همهمة تصدر عن مستشاريه العسكريين وأركان ادارته؛ يتهرب من مسؤولياته، ويعقد ساعديه وراء ظهره، ويراوغ في حدود مكانه، الأمر الذي كاد يقلب الوضع السوري لصالح أعداء أميركا، ويجيّره لغير مصالح حلفائها التاريخيين في عموم المنطقة. وهو ما حمل الرئيس القابع عميقاً في قلب المؤسسة ذات الأذرع المتعددة، إلى انتزاع زمام المبادرة، وتفعيل بعض مما لديه من قدرة هائلة، والتقدم حثيثاً إلى حيث المكانة الشاغرة له في المقدمة، وذلك كي تنتظم الصفوف خلفه، ويتحرك كل من يعنيهم الأمر وفق توقيت الساعة الأميركية، وكأنه "المايسترو" الذي يقود الأوركسترا السمفونية.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   عيسى الشعيبي