أخيراً، وبعد لأي خفيف وشيء من العناد والمكابرة، نستطيع صباح هذا اليوم أن نصحو من النوم دون تثاؤب، وأن ننهض من الفراش دون تثاقل، بعد أن أعدنا عقارب الساعة إلى الوراء ستين دقيقة، وعدنا إلى التوقيت الشتوي أسوة بجيراننا في المحيط الإقليمي المجاور على طول الحافة الآسيوية الغربية.
وليس في الرجوع إلى السياقات الزمنية الحقيقية مدعاة للاحتفاء، أو تحميل مثل هذا الأمر فوق ما يحتمله من مبالغات. غير أن هذه المناسبة الصغيرة تتسع لإمعان النظر في مغزى الإصرار الحكومي على إنفاذ قرار خاطئ، ثم في العودة عنه تحت ضغط شعبي شامل بلغ حد الإلحاح في الأسابيع القليلة الماضية.
لم تنقطع الدعوات الآتية من كل فج عميق، إلى إلغاء التوقيت الصيفي في فصل الشتاء، منذ أن صدر القرار من قبل في زمن حكومة سابقة. إلا أن المطالبات الجماعية ذات النبرة العالية، اشتدت هذا العام أكثر مما كانت عليه فيما مضى من وقت، نظراً لاشتداد وطأة شتاء هذه السنة التي افتتحت موسم لياليها الطويلة بثلجه قاسية.
لقد كنا حتى منتصف الليلة الماضية كمن كانوا يتواطأون معاً ضد حقيقة صارخة، يغشون أنفسهم ويتحايلون على مواعيدهم، ويجرون ما أمكنهم من مواءمات مع مواقيت النوم والصحو، ومع ساعات العمل، ونشرات الأخبار، وسط مشهد يكابد فيه الجميع من جور قرار تحكمي، بُني على أسس ضعيفة وحسابات اقتصادية هشّة.
وأحسب أن أشد صور المعاناة كانت ترتسم في مشاهد تلاميذ المدارس وطلبة الجامعات، أولئك الذين كانوا ينهضون مع أمهاتهم في غبش الفجر، ويخاطرون في الخروج من منازلهم قبل أن ينجلي الصبح، الأمر الذي كان يكفي وحده، دون أي مسوغات أخرى، للرجوع إلى جادة الوقت، وتهدئة روع الآباء والأمهات، وكل من يخشون مفاجآت عتمة الليل.
لذلك، فقد كانت أعلى أصوات التذمر، ومن ثم الاحتجاج ضد التوقيت المتعسف، تصدر من جانب أولياء التلاميذ الصغار، لتجتذب بصورة تلقائية شكاوى سائر الأفراد وأرباب العمل في مختلف قطاعات الإنتاج، بمن في ذلك أعضاء مجلس النواب الذين رفعوا تحت القبة يافطة كبيرة تقول: الشعب يريد التوقيت الشتوي.
في غضون ذلك كله، بدا إصرار الحكومة على التمسك بإنفاذ قرار ليس من صنعها هي، أمراً غير مفهوم، بل وغير مقبول، في ظل الاحتجاجات والاعتراضات الشعبية الكاسحة ضد تدبير مرتجل، جرى اتخاذه في ليلة صيف، ولم تتضح فداحته ومبلغ اعتباطيته إلا عندما حل الشتاء اللاحق، وانكشف عن كامل سوءاته في هذا الموسم الثلجي الغاضب.
وأحسب أن العناد في تجاهل التغيرات الطبيعية بين الفصول الأربعة، وإغماض العيون عن تقلبات آجال الصيف والشتاء أساساً، ناهيك عن دوران الأرض حول شمسها وفق حسابات مستقرة، كان كله يزيد الاحتقان الشعبي، ويرفع من درجة الغضب الساطع، ليس لدى الأكثرية من الناس، بل لدى الكافة على اختلاف رتب مصالحهم الاجتماعية.
وعليه، فقد جاء القرار الذي تأجل أكثر مما ينبغي، بمثابة العودة عن خطأ غير معلل بما فيه الكفاية، ولقي منذ الإعلان عنه، قبل أسبوع مضى، ما لم يلقه أي قرار حكومي سابق من استحسان وترحيب، لم يشذ عنه صوت امرئ واحد. الأمر الذي يمكن معه استخلاص عبرة العناد والمكابرة التي لا طائل من ورائها، وكذلك درس الامتثال برحابة صدر لرأي الأغلبية الساحقة.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد عيسى الشعيبي