لم تخلق النفس البشرية للشقاء،بل خلقها الله لعبادته ولإعمار الأرض،وجعل بها خاصية الطمأنينة فخاطبها سبحانه((يا أيتها النفس المطمئنة)) وجعلها تركن الى الدعة والأمن والراحة،ومصدرا رئيسا لفعل الخير ودحر الشر،وأن تداول الناس فيما بينهم وصفا آخر لبعض النفوس بأنها النفوس الشريرة، فهي من صنع الشيطان الذي يوسوس في الصدور، ولكن الذي لا خلاف عليه من قبل الجميع أن النفس البشرية قلقة وغير هادئة ومستقرة، تلتقط أنفاسها ليس من الخوف والرعب فحسب بل من أمور عدة أخرى.
بعد الولادة يعلو صراخ المولود ويفسر بعض المتخصصون ذلك أنه يصرخ من هول الشقاء الذي سيلاقيه في هذه الدنيا التي حط بها، وهو لا يعلم من أمر نفسه شيئا،هل ولد في محيط آمن واع كله خير يكفل له سبل الحياة الهنية الرضية ويحميه من غائلات الدهر والجوع والعري والعطش والجهل، أم هو الى عذاب الزمن وصراع قسوته وشغف عيشه أقرب؟، لأن هذا الأمر كله ليس من مسؤوليته هو بل واجب الأسرة والمجتمع أن تحميه وتؤمن له متطلبات الحياة الشريفة، فهل مجتمعنا الأردني متكامل متضامن و واع لهذا المتطلب الضروري وهل أوجد مؤسسات اجتماعية ترعى من يستحق الرعاية وتجعل الظروف المعيشية ملائمة ومتوفره من غذاء ودواء وتعلم، أمر يستحق التوقف عنده وبحثه وإجراء مسوحات اجتماعية للوقوف على الحقيقة وإجابة السؤال أين نحن من هذا التكافل؟
ثم يكبر الإنسان ليكون في مرحلة التعليم فيصبح ملكا لهذا المناخ، فلا أجمل من التشبيه في الطبيعة، فهل هذا المناخ التعليمي قارس البرودة أم شديد الحرارة، هل معتدل المطر أم غزير الثلوج، هل البيئة التحتية للمدارس والمعاهد والجامعات الحكومية مؤمنة بالمستوى اللائق للنفس البشرية التي كرمها الله دون مخلوقاته، هل المناهج المعتمدة بالمستوى الذي ترفد الوطن بأبناء متعلمين مبدعين مثقفين تغطي كل الاحتياجات من كل التخصصات التي يتطلبها المجتمع لينمو على وتيرة سليمة لا إعوجاج فيها ولا عثرات وتقود لخلق شخصيات وطنية واعية تنهض ببلادها ولا تكون عبئا عليها، هل المدرسون والمعلمون والموجهون كافية أعدادهم لإتمام الرسالة المقدسة ولكل التخصصات، وهل توزيعهم عادل على كافة المدارس في المدن والقرى والمناطق النائية، وهل هناك حوافز ومشجعات لأن يكون حامل رسالة التعليم متفرغا لعطاء غزير من شأنه خلق أجيال قادرة وكفؤة لأن تحل محل أجيال سلفت، هل في مقدور الدارس إكمال دراسته دون عثرات مادية ومالية، فهل يوجد في المجتمع الحكومي والخاص من يقيل هذه العثرات دون منة أو جميل، وهل نستطيع الحفاظ على معنوية الفقير وأن لا يخدش حياؤه ويصبح سببا في هروبه وحرمانه من التعليم؟
يتخرج وتبدأ معاناة العمل وصراع الحياة ، فالبحث عن الوظيفة هو غم لا يزول ، وكابوس أحلام مزعجة لا تنقطع، وعذاب نفس مستمر ، واضطراب في السلوك لا يتوقف، ومدعاة للإنحراف وارتكاب ما لا يحمد عقباه، فالتخصصات في المعاهد والجامعات غير موزعة على حاجة المجتمع والسوق، وهناك تخصصات فائضة عن الحاجة وأخرى غير مطلوبة أصلا ومنها ما يعتير ثقافة وليس علما، كل هذا في الجامعات الحكومية التي كان من المفروض أن تكون ممنهجة بكل ساكنة ومتحركة، فما تنطق عن الهوى بل تنطق بعلم ،تعرف أين تقف والى أين تسير، محكمة مدخلاتها ومخرجاتها، دار علم حقيقي للوطن وحاجاته ومتطلباته، أما الحديث عن الجامعات الخاصة فهذا أمر آخر عليه علامة استفهام بحجم جغرافية الوطن كله.
وإن حصل بعد جهد وعناء على الوظيفة، فيبدأ صراع الأمن الوظيفي، فمنذ اللحظة الأولى لبدء العمل نطلب من هذا الحدث المستجد أن يفكر ويعمل وينتج بنفس خبرة وعطاء رئيس الدائرة الذي مضى عليه عشرون عاما ونيف ، مكتسبا الخبرات كلها ومشبعا بالمهارات وممارسا للمعاضل ومتآلفا مع صدماتها وصعوباتها وهول وقعها، فإن لم يفلح ولن يفلح الأمر هكذا يبدأ رحلة التشريد والقلق والأرق بالتنقل من موقع الى آخر، تركله الأوراق كما تركل القدم الكرة في الميدان، فهناك من يسجل به هدفا وهناك من يرميه في الآوت(out)، وهنا تساؤل كبير هل في مؤسساتنا مناهج للتأهيل الوظيفي أم نريد منه أن يكتسب المعرفة بالممارسة والمشاهدة ومراقبة غيره كيف يعملون ويبقى تحت الرحمة والمنية.
الى هنا ينتهي جهاد النفس الأصغر ويبدأ جهادها الأكبر في صراع المجتمع ومتطلباته فالموظف لا يلبس إلا أفخر اللباس وأغلاه ثم لا يجوز إلا أن يركب سيارة فارهة ولا يتزوج إلا في احتفالات مهيبة ولا يسكن إلا في بيت مستقل أو شقة تشطيبها ديلوكس، فينهمر عليه مطر الديون وتنتابه الفاقة والعوز ويثقل كاهله بالهموم فيغزوه الكبر والعجز في مقتبل العمر ، فيعيش باقي حياته في كفاف وألم فما عساه صانع لأبنائه القادمين، وارحمتاه فمتى تطمئن النفوس.
حمى الله الأردن وشعبه ومليكه.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة عبير الزبن جريدة الدستور