المملكة الأردنية الهاشمية،مملكة فتية إذا ما قيست بعدد سنوات استقلالها،فهي برعم متفتح انطلق من شجرة خضراء معمرة آلاف السنين دائمة الخضرة،بالرغم من جور المناخ وتقلبات برودته وحرارته وتعريات تضاريسه،هذه الشجرة هي الأردن التي تفيأ ظلالها أقوام نحتو حضارتهم وخلدوا أسماءهم على الصخور الصماء،وأقاموا على رؤوس جبالها القلاع والحصون وشيدوا الممالك المتعددة،وزرعوا سهولها زيتونا وعنبا وقمحا ،غذتهم وقوّت سواعدهم وحفظت هيبتهم وجعلتهم شأنا آخر ذاع ذكرهم.
ثم مضى التاريخ الذي خلدته الآثار المرسومة بالصخر وأتى تاريخ جديد عابق برسالة السماء الى نبي مصطفى مكرم تبعه رجال أهلتهم الألوهية الربانية الى إتمام الرسالة،فكانت جيوش الفتح الإسلامي التي طهرت كل ذرة تراب وهذبت النفس البشرية وسميت الأردن أرض الحشد والرباط.
ثم مرت الأيام وطوى الزمن احداثا تترى،عصفت بالأردن وجواره، وشهدت حروبا طاحنة إقتلعت سيوفها رقاب العباد،فعاث التتار والمغول والصليبيون قتلا وسلبا ونهبا وتدميرا،ثم أعقبهم الأتراك الذين علقوا المشانق ترنحت بها رؤوس زعماء القوم وسادتهم،الى أن جاءت ثورة العرب الثورة العربية الكبرى التي أفرزت إمارة عربية في الأردن كانت النواة الأولى لإعادة الهوية العربية والقومية العربية .
من هنا جاء بناء الأردن الحديث على همة الرجال وأرواح الشهداء، فكان مفجر الثورة الكبرى وحامل الراية التي دفعت به مواقفه الوطنية والقومية الى إصرار أعدائه على نفيه وإبعاده حتى أتاه الأجل المحتوم ، ثم تلاه شهيد الأمة، شهيد الأقصى عبد الله الأول قضى مناضلا وفارق الحياة وهامته عالية لم تنحنِ لمستعمر أو محتل نجس وشيد إمارة أردنية رغم أنوف الأعداء ثم مملكة مستلقة اعترف بوجودها العالم ثم أصبحت من بعد كائنا حيا فاعلا في أحداث العالم وسياساته وتقرير مصير شعوبه.
وقد رافق تأسيس الإمارة قتال مرير على جبهات الحدود غربا وشرقا ،فكان الشرق شاهدا على غزوات استهدفت إجتثاث الأردن بكل مكوناته،فدارت رحى معارك طاحنة على صحرائنا الأردنية التي تشهد هضابها الراسية كمًا من الجماجم ارتفعت ولا نقول تدحرجت وهوت دفاعا عن هذا الحمى وكما من نساء زغردن وهنّ ثكالا على أزواجهن وفلذات أكبادهن لتثير حماس الفرسان الذين دحروا الغزو ،وثبت إستشهادهم هوية الدولة الأردنية الهاشمية،هؤلاء الأبطال أهل الفروسية حمر النواظر لم يكونوا جيشا منظما مسلحا ولكنهم لا يملكون إلا صدق وطنيتهم وشهامة رجولتهم هؤلاء الذين ما وجلت قلوبهم ولا دمعت عيونهم خوفا،هبوا دفاعا عن أرضهم واستشهدوا ليقدموا لنا وطنا آمنا ننعم بخيراته ونتفيأ ظلاله متلذذين بمتع الحياة،ثم أنكرنا عليهم أمجاد أفعالهم حتى طواهم النسيان.
وعلى الجبهة الغربية ،فقد امتزجت دماء العسكريين بدماء المناضلين فلم تكد تميز بينهم ،فكانت المعارك الضروس التي نقرأها في كتب التاريخ وتمر تحت عيوننا كقصة من قصص الماضي لا تحرك في أجيالنا الشعور،هذه المعارك التي ارتفع بها الى السموات العلا آلاف الأرواح من الشهداء التي كلت ظلا ظليلا في سماء الأردن ينعم به الشعب وكل من وفد الى هذه الديار العامرة،والتي غدت مأوى وملاذا لكل العرب.
ثم تتالت قوافل الشهداء فكان هزاع المجالي و وصفي التل ولحق بدربهم المئات من أحرار الأردن وأبطاله لتثبت الهوية الأردنية ويسلم الوطن الى أيدي أبنائه الذين سيحافظون عليه آمنا مطمئنا مستقلا،مهاب الجانب من غير تناحر وتنافر وتناكف وادعاءات لمواقف فارغة تهدم ولا تبني، تفرق ولا تجمع.
في هذه الظروف الصعبة، وفي هذه الأمواج المتلاطمة،وفي هذه التيارات الفكرية المتباينة،نقول حماك الله يا وطن وحمى المخلصين الصادقين من أهلك الأوفياء ،الذين إذا قلت سمعوك ،وسمعوا كلامك باهتمام وإصغاء ورددوا خلف قولك ،آمين آمين آمين يا وطني
حمى الله الأردن وشعبه ومليكه .
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة عبير الزبن جريدة الدستور