المرة الأولى التي وقع فيها التعبير الغامض، أعلاه، على مسامعي، كانت في الطور الأول من طفولة مبكرة، كنت فيها كأي واحد من أترابي الصغار، لا أتوقف عن طرح الأسئلة، ولا أشعر بالحرج من الاستفسار، كلما شاهدت شيئاً محسوساً، أو استمعت إلى كلمة لم تقع على أذني من قبل؛ مستفهماً عن عالمي الصغير، متسائلاً عن ماهية ما يحيط بي من أمور عالم كان بسيطاً ومحدوداً في الزمان والمكان.
كانت أمي، رحمها الله، معلمتي التي لا أذكر يوماً أنها تبرمت من أسئلتي، ولا ضاقت ذرعاً من طلب الإجابة عن كل تعجب يبدأ بكلمات "لماذا" و"كيف" و"متى" و"أين". غير أنه عندما كان يستبد بي الفضول أحياناً، للتأكد من بعض الظواهر المدهشة لعقلي الطفولي، مثل أين يذهب السكر في كأس الشاي الزجاجي؟ كانت تقول لي إنه يذوب. فلما أود أن أختبر الأمر بنفسي، كانت تمنعني من هدر مزيد من المادة الثمينة البيضاء.
وقد تكون عبارة "حلاوة الروح" العصية على فهم الولد الذي بدأ لتوه التعرف على المعاني والمدركات الحسية، واحدة من تلك العبارات المبكرة التي لم تُمح من الذاكرة، رغم قدمها السحيق بالنسبة لي؛ وذلك لاقتران هاتين الكلمتين المجازيتين، بواقعة عنيفة وصادمة، شاهدت فيها ديكاً ذبحه جار لنا بحد السكين، فراح الطائر الذبيح يجري مضرجاً بدمه لعدة أمتار، قبل أن يخر على جانب شارع ترابي ساكناً بلا حراك.
سألت معلمتي الأولى، وكانت تمسك بيدي في حينه: لماذا ركض الديك هكذا ولم يمت على الفور؟ فقالت لي: إنها حلاوة الروح. ولما سألت ما معنى ذلك، أُسقط بيد الأم التي أشفقت عليّ من شدة الانفعال بالمشهد الدموي، وأعياها شرح تطابق مفردة الحلاوة اللذيذة التي أعرفها، مع مكونات الصورة التي تقطر دماً، ناهيك عن السكين ويد الرجل غليظ القلب، الأمر الذي أدى إلى حفر هذه العبارة في الذاكرة الغضة، كأنها نقش على حجر صخري.
عندما اشتغلت بمهنة الكلام كبيراً، وقاربت شرفة عالم الإبداع، واتسعت دائرة الخيال، وصار لدي قاموس كبير من المفردات، عرفت معنى المجاز والإحالات والاشتقاقات؛ فعدت عودة المنتقم إلى تلك العبارة التي عذبني معناها طويلاً، وشق عليّ كنه ما فيها من بلاغة وصف وتشخيص، متمنياً لو أن أمي ما تزال على قيد الحياة، لأشرح لها فهمي الشخصي لمصطلح "حلاوة الروح"، المتواتر على ألسنة العامة جيلاً بعد جيل، ولأقدم بديلاً لغوياً عنه، أقرب إلى الواقع وأشد انطباقاً مع الحال. إذ أحسب أن هذا التعبير الدارج في وصف اللحظة الضئيلة الفاصلة بين الحياة والموت العنيف، يُقحم الحلاوة في غير موضعها بفظاظة، ويتجاوز سقف البلاغة، ويوحي بما لا يجدر الإيحاء به في مقام الموت. وعليه، فقد يكون من المنطقي الاستعاضة عن مصطلح "حلاوة الروح"، بعبارة "عذاب خروج الروح" مثلاً، أو "انتفاضة الحياة في سكرة الموت"، أو أي تعبير آخر بديل يكون أكثر تماهياً مع غرغرات النزع الأخير، وأشد تماثلاً مع حالة الموت الزؤام.
والحق أن هذه التداعيات الذهنية، الوافدة من قعر ذكريات طفولة غائرة، بعثت بها على حين غرّة السجالات الناشبة مؤخراً حول فيلم سينمائي بعنوان "حلاوة روح"، تم إيقاف عرضه في بلد المنشأ، أي في مصر، بذريعة أنه يحتوي على مشاهد جنسية ساخنة، أدتها أشهر النساء الجميلات في العالم العربي، الفنانة هيفاء وهبي، الأمر الذي أدى إلى ترويجه أكثر، لاسيما وأن الفيلم متاح في دور العرض في العالم العربي، وعلى موقع "يوتيوب" أيضاً.
وليس لي أن ابدي رأياً في هذا الفيلم قبل مشاهدته، حتى وإن لم يكن لي باع في عالم النقد السينمائي. غير أنني عندما حاولت، من باب الفضول، الوقوف على مدى مشروعية المنع، وأحقية الجدل الدائر حول هذا العمل السينمائي بمشاهدته على "يوتيوب"، آثرت التوقف بعد رؤية فقرة افتتاحية من بداية الفيلم، لشدة ما يحتشد فيها من صراخ وصخب، يلوث السمع والبصر، ويذهب بكل متعة مرجوة منه، ويقطع مع جماليات الروح وحلاوتها.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   عيسى الشعيبي