لا تعترف الطبيعة بوجود الفراغ، فالفراغ يُملأ ولو بالهواء،فهي من إبداع الخالق عز وجل،ولعلها أيضا عظة وعبرة لبني البشر، يطبقونها في إدارة شؤون حياتهم،كل بمقدار لزومه، والفراغ هذا ينطبق على السياسة والاقتصاد والاجتماع تماما كما انطباقه على الجغرافيا الطبيعية.
والفراغ خطير وخطير جدا،إذا لم يعبأ بمراعاة عاملين هامين أساسيين هما السرعة في الوقت والسرعة في الإجراء الصحيح،أما أن تأتي متأخرا وبعد فوات الأوان، فهيهات أن تعود عقارب الزمان الى الوراء،وليس بالمقدور الإتيان بالمعجزات فقد انتهى رجالها وانتهى زمانها.
في وقت قريب قادم سيرحل الأمريكان عن العراق الشقيق،بعد ردح من الزمن،عاثوا به الفساد،أهلكوا به الزرع والضرع،وناح به الرجال مثلما ناحت النساء،ولم تجف لهم دمعة وما توقف لهم نزيف، وعادوا بالعراق وأهله الى القرون الخالية،بعد أن كان عبر التاريخ درة من درر العرب، تجذرت حضارته وانتشرت علومه وعمت خيراته،بلد الغنى الذي لم يعرف الفقر،تغذيه مياه دجلة والفرات،وتفجرت أرضه ولفظت ما بجوفها من ذهب أسود فاق لمعانه كل أنواع المعادن،فغدا العراق بوابة الشرق الحصينة عن بلاد العرب الذي حماهم و أمنهم من امتداد نيران الأعداء والتاريخ شاهد.
رحيل الأمريكان عن العراق يفرحنا وإن تأخرت الفرحة كثيرا،ولكنها أتت،وماأظن أن رحيلهم كرم منهم،أو شهامة فيهم،ولكنهم ابتلعوا خير العراق وامتصوا كل مقدراته،وشربوا بتروله حتى الثمالة،وحسنوا اقتصادهم وأنقذوا شركاتهم من الإفلاس،وأداموا عمل مصانعهم التي أشبعتهم وأترعتهم ،وغذونا نحن بالفاسد منها،واعتبروها علينا منّة وحسنة،ونحن نطأطئ الرأس ونحني الجسد،ولو كان لنا قبعات لأمسكناها باليمين وأشرنا لهم بالتعظيم.
العراق منا ونحن منه،في العقيدة والجنسية،وقد تشابهنا أيضا في نظام الحكم حقبة من الزمن،والعراق محاط أيضا بالعديد من دول الجوار وكلها ترقب وتراقب بمنتهى الدقة ما يدور على أرض العراق،العراق الجريح،النازف الممزق،العراق الضعيف،أقولها بكل مشاعر الألم،فما الذي تخطط له كل دولة من هذه الدول.ما هي أخطار إيران الجارفة العارمة،الحالمة بأكثر مما تتصوره العقول،وما هي أطماع تركيا ذات الأنياب،ناب يغرس في جسد العراق وناب يغرس في جسد سوريا،بعد أن فقأت أوروبا عينها عندما نظرت إليها فدارت بعينها الأخرى الى بلاد الشام علها تعيد التاريخ بتتريك العرب.
أليس للعراق عزوة من العرب،من كانوا بجواره أو عمق جواره، فكلها عرب،أليس بهم إغاثة لملهوف، بعد رحيل الأمريكان ستكثر الفتن التي تصنع في الجوار وتصدر للعراق وتلتقي مع الخلايا النائمة التي أُعدت سابقا،والتركيبة السكانية في العراق تساعد بسهولة على إذكاء الفتن،إن عقائدية أو جنسية.
ستتخذ بعض دول الجوار من العراق ورقة ضغط رابحة وبذرائع كاذبة،فمن ذريعة الحماية لأبناء العقيدة،تهدد مصالح الغرب لتأمين الحماية لنظام سوريا من التغيير،ودول أخرى تحلم باتساع رقعة الإسكندرون الى ما هو أعم وأشمل.
الفراغ في العراق حجمه كبير ،فمن يملأ الفراغ،ومتى وأين وكيف،إن ملء الفراغ في العراق يحتاج الى سرعة متناهية من حكام الأنظمة المعتدلة،العقلانية الواعية من دول الجوار،وبجهود دولية لا محلية ولا إقليمية،فقد ترك الأمريكان العراق مكسور الظهر،مشلولا،فقد انكشفوا للعالم أجمع وعرّوا أنفسهم بأنهم دعاة مدعين للديمقراطية وليسوا حماتها،وظلمة لا يعرفون من حقوق الإنسان إلا ما يخدم مصالح شعوبهم،هؤلاء الذين أنزلوا العراق عن عرش العظمة الى العمق السحيق،فغادروه بعد أن أقاموا به شريعة الغاب،تتنازعه أطماع دولية وحروب طائفية وأخرى عقائدية.
حمى الله الأردن وشعبه ومليكه.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة عبير الزبن جريدة الدستور