الأيك هو المكان الصغير الممتلئ بأنواع الشجر المختلف ألوانه وروائحه الطيبة، المتكاثف نباته والمتكاتفة أغصانه وهو الظل الظليل الذي لا يعرف له الحرور منفذا ليدخله ، وهو المغردة عصافيره وطيوره، العليلة نسائمه في صباحه ومسائه، وهو الذي نظم وصفه الشعراء وغنته حناجر المطربين في القصيدة العصماء((الأطلال)) فالعش الصغير هو أيك العصفور، والحدائق المعلقة وغير المعلقة هي أيك من أفاض الله عليهم من نعمه، والغابة الصغيرة حتى وإن كبرت هي أيك الأسود والنمور والفهود، وكلٌ يذود عن أيكه الأخطار لينعم بالأمن والسكون ويدرأ غوائل الدهر المهلكة عن نفسه وعن الآخرين المعاصرين والأجيال القادمة.
الأيك يا أيها السيدات والسادة لا يُبنى بلمح البصر، ولا هو أمنية من سليمان(عليه السلام) يأتي بها الهدهد، ولا هو احضار عرش بلقيس قبل أن يرتد الطرف لصاحبه، الأيك هو الوطن، والوطن هو الأردن، والأردن عمره مديد، بُني بمئات السنين وسيمتد الى أن يرث الله الأرض وما عليها، هذا البناء الشامخ العظيم أُنشئ بسواعد أبنائه وأجياله المتعاقبة وبدم شهدائه الأبرار، فحري به أن يصان ولو من ثرثرة ولوك لسان، فكل عود به لا يُقطع وإن يبس وجف، وكل شجرة به تُروى ولا تُخلع ولا تُجتث، وكل حجارته صماء لا تُكسر ولا تُنحت، مياهه لا تغور ولا تجف، لأن السماء تعشقه ولا تحرمه المطر، قطرات نداه غذاء وارتواء، وطن غال وخال من الرعب وغني بالأمن والرخاء، فحري به أن يُصان، لا بل فرضٌ أن يُصان.
الوطن هو الملاذ لجميع أبنائه وأهله، هو حضن الأم الرؤوم، وكما الجنة تحت أقدام الأمهات فأقدام الأمهات تحضنها وتحنو عليها ذرات التراب الطهور، فقدسية تكتسب من قدسيه وعطر يتغذى من عطر، طهارة تكبر ومجد يعلو، ففرض علينا أن نصونك يا وطن، لأن الكرامة لك ولأن الخلود بعد الله لك، ولأن العطاء منك، ولأن هناءة العيش فيك، ولأنك تعلو ولا يعلى عليك، دفؤك برد وسلام، لن يمسك العابثون وإن مكروا، جعل الله كيدهم في تضليل، وجعل بينك وبينهم سد ذي القرنين.
حداؤنا الإصلاح وزادنا الحكمة، وغايتنا رفعة الوطن الرفيع أصلا، وبناؤه فوق بنائه المتين، فمن الوفاء ومن الذمة والشهامة أن لا ننكر ما فعله السابقون، بإمكاناتهم المتواضعة وبعزمهم الشديد الذي لا يلين، هؤلاء الصانعون من اللاشيء شيئا،المشيدون للأمجاد، الحافظون للعهود غير الحانثين للعادات والتقاليد، الآكلين مما يزرعون، أياديهم طاهرة وجيوبهم عامرة بالجلال من عرق الجبين، فمن الحكمة والعدالة والحق أن لا نؤذي صنعهم الذي صنعوه لا باليد ولا باللسان، لا بالتجني ولا بالإفتراء، فهم جميعا الوطن والوطن كلهم.
فقاعات تظهر هنا وهناك، تؤذيك يا وطن، وتسير على ترابك أقدام ثقيلة الوطئ، وتسمعك كلام ما تعودت سماعه، أفكارهم مستوردة ونواياهم غامضة ، وأنت صابر يا وطن، لأنك الأعظم ولأنك الأقوى منهم فرادى وجماعات وإن استعانوا عليك بكل الوسائل والأساليب التي يأباها ويرفضها كل ذي ذوق رفيع، وكل ذي لب حكيم ، ومنبت سليم وشهم كريم، وإن وصفوك بالفقر يا وطني واستوردوا لك الأموال فهي سحت وحرام، وتبقى أنت يا وطني الغني ذو العفة، لا تنحني، فهم وإن تكاثروا زوبعة في فنجان .
نصلحه ولا نضيعه وهذا نهج الخيرين، والخيرون في بلادي كثر، لا يسلمونك لعصف الرياح ويحموك بالغالي والنفيس، وإن هبت في جوارك الأخطار،فأنت في حصن منيع، مفاتيحه عقول الحكماء وسواعد الأمناء وقلوب المؤمنين، هذا هو أنت يا وطن، يا ملاذ كل العرب، الآتون إليك من كل صوب، الشاهدون لك بكل فضل، لأنك قدوة الأوطان وكما هم أهلك قدوة في كل عصر وزمان، في العلم والتعلم، في الشهامة والشجاعة، والكرم والنبالة، في الإيثار والإحسان.
لن يأخذنا الحماس الأهوج بك يا وطن، بالرغم مما نرى ونسمع بالجوار وغير الجوار، ولن ننقاد من الآخرين الذين يريدون السوء، لباسهم ابيض وباطنهم أسود، لسانهم طليق بالباطل المزين بالحق، لن نجعل ساحاتك يا وطن مسارح للفوضى والإنفلات، فالإصلاح دربه واضح بالحكمة والروية والعمل الدؤوب الناضج الهادف لنفع الجميع، وما عدا ذلك فهو عويل وصراخ وندب وتباك على الأطلال الدوارس، وهي ليست بأكثر من مغامرات غير محسوبة العواقب وكل مغامر غير محمود وإن سلم، والدين في جوهره النصيحة ، ولكل تصرف ضريبة هي مدفوعة إن عاجلاً أو آجلا.
حمى الله الأردن وشعبه ومليكه.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة عبير الزبن جريدة الدستور