اللين والشدة، اسمان متضادان في معناهما، متلاصقان في أدائهما، الحاجة ملحة لهما الاثنين معا في علاج الشدائد والخطوب وفي إدارة الشؤون العامة والخاصة، فهما بالميزان سواء، لا ترجح أحدهما على الاخر إلا بأسباب، فهما أيضا كوصفة طبية لا يقبل محتواها إلا من طبيب مختص، تقود للشفاء، وبعكس ذلك فالوصفة تقود حتماً للهلاك.
اللين والشدة، إذا استخدما في غير موضعهما (مع شديد الحاجة إليهما) كانا تماما كاليقظ النائم أو الشاهد الغائب أو الناظر الأعمى أو السامع الأصم، أو الناطق الأبكم، وبمعنى أوضح أن اللين إذا أهمل في وقت حاجته كان وبالاً، وإن الشدة إذا أغفلت وقت حاجتها كان هلاكا وتطاولا واستمراء.
الأحداث التي تدور على أرض الوطن كل جمعة وبعد كل صلاة، هل لها مبرر فعلي؟ هل هي فعلا لصالح الوطن، هل تأتي بنفع جديد؟ هل لها منهاج مقنع، هل المطالبون بها أكثرية؟ هل يشهد لهم بالخبرة السياسية وإدارة الشؤون في المعنى الشمولي؟ هل مطالبهم نابعة من ذواتهم؟ هل الأقلية هي التي توجه الأكثرية؟ هل لهم دور سابق مشهود في بناء الوطن؟ هل شاركوا في معارك قتالية دفاعا عن هذا التراب؟ ما هي الإجابات عن كل هذه التساؤلات؟.
إن التخاذل عن نصرة الحق والتهاون عن إهانة الباطل، جعل من في قلبه مرض يطمع. ومن كان في صدره وسواس، استبدله بالنطق المسموع، وجعل النائم يهب من نومه فزعا ليشارك على غير هدى وروية. كل هذا يحدث لأن الأغلبية الصامتة لا زالت صامتة عن نصرة الحق.
هل اللين هو العلاج الأمثل لما يدور؟ نعم إن اللين والمرونة والصبر والنفس الطويل والحوار والإقناع بدرء الحجة بالحجة، والسمو والرفعة في التخاطب والتحاور، كلها صفات حميدة مجيدة حسنة، شرط استخدامها في وقتها ومكانها الصحيحين، وحين تكون هي العلاج الأمثل التي يرقى لها كل الأطراف المتخالفة بالأفكار والآراء.
هل الشدة هي المطلوبة وهي العلاج الناجع لحزم الأمور؟ نعم إن الشدة والبطش والقهر والإيذاء والتسلط والانتقام والكره والحقد والحسد، صفات ذميمة منبوذة مكروهة إذا استخدمت في غير موضعها.
هذه الأيام، كلنا بحاجة لمعرفة متى الحاجة الى اللين ومتى الحاجة الى الشدة، فالمسافة بينهما تكاد لا تقاس بمقياس، وهي كالسراط المستقيم، فإما الى الجنة وإما الى النار، لذلك فالواجب على الحكماء والعقلاء وأهل الخبرة في إدارة الأزمات، الخروج عن الصمت، بالنطق بالنصيحة، وإبلاغ الموعظة صريحة صافية، لدرء الباطل، وإحقاقا للحق، ونصرة للعدل، وإعزازا للأمن والأمان.
الحفاظ على الأمن بالاحتكام للقانون لا يأتي باللين وحده، ولا يأتي بالشدة وحدها، فالشدة مطلوبة بحق الذين إذا أمرتهم بالحق ما أطاعوا، وإن دعوتهم للحوار ما أجابوا، وإن تركتهم عاثوا، وإن أدرت لهم الظهر طعنوه، وإن أعطيتهم المنحر نحروه، الذين لا يجتمعون ولا يجمعون على خير لغير ذاتهم، يهدرون حق الأمة في الحياة الآمنة، وفي المأثور عن الإمام علي بن أبي طالب، قوله (لا تركنوا الى جهالكم، ولا تنقادوا الى أهوائهم، فالمنقاد لهم كالنازل على شفا جرف هارٍ).
كلنا مع الإصلاح، ورائدنا في الإصلاح جلالة الملك عبدالله الثاني بن الحسين، وهو أول من نادى به منذ سنين خلت، وسبق الجميع في التفكير والتنفيذ، ولكن الإمعان في تكرار طلب الإصلاح على غير هدى ورويه ووعي، وبتسارع غير مدروس، بالتأكيد سيقود الى غير ما هو مرغوب، فالغاية من الإصلاح هو البناء وليس الهدم، ومن المؤكد أن الاعتصامات والمسيرات والمظاهرات والشعارت ليست من وسائل الإصلاح إذا خرجت عن مسارها الصحيح وأهدافها النبيلة وكانت فاقدة لمنهاج الإقناع المدعم بالحقائق الملموسة، التي يعاني منها المجتممع بكل مكوناته والتي يحس بها المواطن أنها أثقلت كاهله ويتمنى زوالها. فالشريف هو من كانت وسيلته شريفة، فقد آن الاوان لحزم الأمور تحت ظل القوانين، إنْ حزما فحزم وإنْ لينا فلين.
حمى الله الأردن وشعبه ومليكه.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة عبير الزبن جريدة الدستور