قالت العرب في سالف الزمان، النصيحة بجمل، يوم عز وندر وجوده آنذاك، حرصاً من قبل الحكماء للوصول الى القرار الصائب، الذي يقيهم شرور الزلل، والوقوع بالخطأ، فمن وقي نفسه من الخلل فقد هدى الآخرين وأنجاهم، ومن استشار فقد ساد، ومن ساد فقد اشتهر،وذاع صيته، وأصبح ملجأً لقومه، حين تعصف بهم الشدائد، ويشار له بالبنان ويوصف من العامة بأنه «فكاك النشب» وكم هي حاجتنا اليوم للعديد من فكاكي النشب، علّهم يرأبون الصدع، ويوداون الجراح، فتأمن الأمة، ويغزوها الورع، وتنام قريرة العين، وتبقى في منأى عن عدوى أمراضٍ تفشت وانتشرت، أكلت اللحم ونخرت العظم وامتصت النخاع، وأشرفت على الهلاك، وتضاءل الأمل بجدوى العلاج.

ما خاب من استشار، والمستشير لا نريده مثل ذاك الذي بلغ من الدنيا مالاً وفيراً فأصابه البطر، ولا مثل ذاك الذي أدرك جل أمنياته فأصابه الغرور، ولا مثل ذاك الذي إتبع هواه فخسر وندم أيما ندم، ولا مثل ذاك الذي تعامل مع اللئام وصاحب الأشرار فأورثوه سوء الظن بلأخيار، بل استشار لأن في طبعه الخير وفي نيته الخير وفي تربيته الخير، لا علواً ولا غروراً ولا فساداً في الأرض.

ما خاب من طلب الرأي من أهله، فطالبُ الرأي من غير أهله مخطئ، لأنه أضاع رأيه هو، وازداد توهاناً مما هو فيه كائن، وعمن أراده أن يكون، فمثله كمثل الذي أصم أذنيه عن صوت البلابل المغردة في صباح الربيع الدافئ، واستبدلها بالأصوات المنكر سماعها، كالبهائم والبوم والغربان، وإن كانت كلها مخلوقات الله، ولكن الحكمة الألهية قد اقتضت ذلك.

ما خاب من استشار، فإن طالب الرأي بقصد الوصول للحقيقة والعمل بها، هو كالمجاهد الرافع لشأن العقيدة، وكالمتصدق الراغب بالإحسان والأجر والثواب، وكالحالم الورع في إدارة شؤون أهله، وقد قالت العرب في مضرب أمثالهم وحكمتهم، ودونتها بطون أمهات الكتب» لا خير في القول إلاّ متبوعا بالعمل، ولا خير في الفقه إلاّ مع الورع ، ولا خير في الصدقة إلا ّمع النية، ولا خير في المال إلاّ مع الجود» فالاستماع الى الرأي بقصد النية على الإصلاح وفعل الخير العائد بالنفع اليسير على العامة والخاصة هو المبتغى الطهور، وهو القوة المشبعة بالإحسان القاهرة لكل قوى الشر.

إن طالب الرأي والمشورة للعمل بها، هو مثل طلوع النهار بعد العتمة، وكإنبزاغ الشمس على الأرض، تزيد البصر وضوحا وامتداداً، فتسلم القدم من الزلل، والجسد من السقوط في الهوة، وإن أخذ الرأي من أهل الرأي، هو أشبه بالمثل الدارج «البحر بأمواجه يعرف، والسلطان بأصحابه ينجو»، وإن الساعي لأخذ الرأي من غير أهله أيضاً مثله كمثل الراغب بصنع القوس من حطب يابس، وكمن يلتمس تقويم من لا يستقيم، فالشجرة المر مذاقها لا ينفعها الطلاء بالعسل، وإن إنتقاء أهل الرأي والمشورة للأخذ منهم، والاغتراف من غزارة علمهم وطول تجربتهم، هم كالريح إذا مرت بالطيب حملت معها روائح الطيب الزكية، لتنعش الأرواح بشذاها، فمن استشار فقد أحق الحق وأبطل الباطل، وتزين بالأثواب المزخرفة، وإن تكاثرت أنواعها وألوانها.

وإن من يقدم النصيحة لغير الراغب بها كمن يتعب نفسه ويضيع وقته بزراعة الأرض السبخاء المليئة بالملوحة، وينتظر منها ثماراً غزيرة كثيرة ،تقيه وأهله الجوع وصراع ضنك الحياة، وإنما الرابح هو الساعي ببصيرة، ولا تأتي البصيرة إلا بالعلم وبالمشورة لمعرفة ما جهل، فإن تكرار طلب الرأي والإصرار عليه، أشبه بالماء الجاري على الصخر، لابد من أن يترك فيه أثرا واضحا رغم صلابته.

هذا الزمن، الحليم فيه حيران، والعالم أوشك على الجهل، فلا نجاة إلاّ بالثبات عند السؤال، فقد أتى الى الأرض زلزالها، وأخذت تنقص من أطرافها، إلاّ أرض المؤمنين والصالحين، فنحن في أرض الحشد والرباط، تكلؤها عين الله وتحميها، لأن شعبها طيب كريم، والكريم هو حبيب الله، وهم لحمة واحدة متماسكون، ونظامها السياسي موسوم بالعدل والإنسانية، مسيج برجال الأصل والفرع الذين لا يرضون لوطنهم إلاّ الأمن والأمان.

حمى الله الأردن وشعبه ومليكه.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة   عبير الزبن   جريدة الدستور