ليس مهما ما يقوله الكارهون عن "خطوة أيلول"، فهؤلاء محكومون بحسابات منفعية وأحاسيس مريضة، ومنهم من يجمع الشرين. وليس غريبا أن تتقاطع مواقف حماس والرفضويين العرب مع مواقف إسرائيل وأميركا إزاء الخطوة الفلسطينية التي أحرجت العالم وكشفت حالة الانفصام التاريخي بين ما يقوله المجتمع الدولي عن الحق الفلسطيني في الحرية وما يفعله هذا المجتمع لعرقلة الوصول إلى هذا الحق، فهذا مشهد مألوف في العمل السياسي ولا يعكس توافقا أو انسجاما في معسكر الممانعين، مثلما لا يعني التصفيق للخطوة وحدة الصف المؤيد لها.
بعيدا عن ضجيج المؤيدين واحتقان المعارضين ينبغي تناول الخطوة في سياقها الموضوعي، وبحث مآلات الوضع الفلسطيني في ضوء انكشاف أكذوبة التحول الأميركي في عهد الرئيس المتباكي باراك أوباما، وانصياع القرار الأوروبي للرغبات الأميركية، ومحاولة طرف عربي التذاكي والفهلوة للحفاظ على ماء وجه رئيس البيت الأبيض. تقديم طلب العضوية الكاملة في الأمم المتحدة ليس إلا خطوة أولى في طريق صعب وطويل لكنه الطريق الوحيد المفتوح للفلسطينيين باتجاه هدف الدولة والاستقلال. ولا بد لهذه الخطوة، كي تحقق غرضها، ان تكون متبوعة بخطوات أخرى أكثر حدة ووضوحا في التعبير عن خروج الفلسطينيين من تصنيف "المخدوع برضاه"، وأن تحمل ما يؤكد عودة مسارهم إلى سكته الصحيحة، وإلى إطاره الأصيل في منظمة التحرير.
يحتاج مجلس الأمن إلى أسابيع للبت في قبول أو رفض الطلب الفلسطيني، لكن العمل بدأ منذ لحظة تقديم الطلب، فالفلسطينيون يحاولون الحصول على أغلبية مؤيدة لطلبهم في المجلس ما سيدفع الولايات المتحدة إلى استخدام الفيتو لنقض القرار الدولي، والأميركيون يحاولون الحيلولة دون تحقق أغلبية مؤيدة للطلب الفلسطيني حتى لا يضطروا لإحراج أنفسهم وسياستهم ورئيسهم من خلال الفيتو الذي يشهرونه دائما، وربما فقط، في الدفاع عن جرائم إسرائيل ومنع إدانتها.
لكن، وبغض النظر عن شكل الرفض الأممي للطلب الفلسطيني، وسواء جاء هذا الرفض بالفيتو الأميركي أم بالضغط الأميركي على أعضاء مجلس الأمن، ينبغي أن يتواصل التصعيد الفلسطيني من خلال اللجوء إلى خطوات أخرى تعيد الاعتبار والفاعلية إلى منظمة التحرير وإلى برنامج المقاومة الوطنية الصافية، وإلى تجليات الشراكة النضالية بين فتح وفصائل المنظمة والتي ترسخت عبر عقود من المقاومة للاحتلال.
يمكن أيضا إعادة النظر في العقيدة القتالية لأجهزة فاعلة كالمخابرات العامة والأمن الوقائي والأمن الوطني، ونفض ما علق بها من تلقينات الجنرال دايتون، وإبعادها عن مهمات تبريد المحاور ونقاط التماس مع الوجود العسكري للاحتلال في الضفة الغربية، وحول القدس تحديدا.
بالضرورة هناك خطوات وإجراءات أخرى يمكن تفعيلها في الضغط على الاحتلال في الداخل وفتح خطوط الاتصال مع القوى الإسرائيلية المعارضة والرافضة لاستمرار الاحتلال، والتأثير الممكن في المعادلة الداخلية الإسرائيلية. كما يمكن تفعيل حملات المواجهة مع النفوذ الإسرائيلي في العواصم الأوروبية، وكشف الارتباطات المشبوهة، سياسيا وأخلاقيا، بين سياسيين متنفذين في أوروبا ومؤسسات سياسية وأمنية في تل أبيب، ولعل السيد توني بلير لا يتفرد في هذا التصنيف.
وإذا كانت عشرون سنة من المفاوضات قد أثبتت عقمها، فإن الجانب الفلسطيني قد لا يجد مفرا من الطلاق مع هذه المفاوضات العقيمة والعودة إلى المربع الأول الذي يضع إسرائيل في مواجهة مسؤولية إدارة الأراضي المحتلة، وذلك لن يتأتى إلا بإعلان حل السلطة.
في اللحظة السياسية الراهنة لا بد من موت المشروع التسووي الأميركي لكي تعود الحياة إلى المشروع الوطني الذي يصغر بالسلطة ويكبر بمنظمة التحرير.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد فؤاد أبو حجلة