منذ ثلاث سنوات لم أشرب الشاي مع محمد طمليه، بحثت عنه كثيرا ولم أجده. لم يكن في بيت اللويبدة، ولا في "حليمة بالاس"* في وادي الحدادة. غاب أيضا عن سوق الحرامية ومحل مواد البناء في شارع طلال، وأبلغني بائع "السيليكون" أنه دبر له عشرة "أصابع" من السيليكون الفاخر، لكنه لم يحضر ولم يرسل أحدا لاستلامها. رجاني البائع الأشعث أن أخبر "الأستاز" أن "البضاعة وصلت".
سألت عنه في رابطة الكتاب، وقالوا إنهم لم يروه منذ أكثر من حولين أو ثلاثة. وقرأت على لوحة الإعلانات في الرابطة بيانا أصدره حسن أبو علي* يهاجم فيه غياب طمليه عن وسط البلد، ويتهمه بالانسلاخ الطبقي.
أين "صاحبي"؟
هواتف صديقاته مفصولة أو خارج التغطية، وصاحب السوبر ماركت يفتح دفتر الديون ليريني صفحة محمد. الحساب ما يزال كما هو. لم يزد لترا واحدا منذ سنين!
لا أجده في "بيارة المساعدة"* في اربد، ولا أثر له في شاطئ غندور، بل إنني لا أرى الرمل على شاطئ العقبة.
أسأل أصدقاء السوء عن محمد، فيسألون: "مين محمد"؟... كانوا لا يعرفون غيره. ما الذي غيرهم؟
في الجريدة، يؤكد الساعي أنه لم ير "الاستاذ محمد" منذ أشهر. وعلى الصفحة الأخيرة لا أثر لمقالته. هل توقف شاهد العيان* عن المشاهدة؟ لا بأس، فقد توقف الكتاب عن الكتابة، واكتفوا بكتابة الروشتات الحكومية، وتوقف القراء عن القراءة، وانتقلوا إلى شاشات البلازما المسطحة، حيث يبدو مشهد الذبح أكثر وضوحا وبالألوان الطبيعية في ربيع العرب.
اختفى طمليه، غادر البيت والرابطة والجريدة إلى جهة مجهولة. ربما يعيش الآن باسم مستعار وهوية مزورة في ميتشيغان، ويعتاش من العمل في "كازية" استعدادا لافتتاح محل بقالة يبيع اللحم الحلال لعرب أميركا. أستبعد ذلك لأسباب وجيهة، صاحبي لا يعرف اللغة الانجليزية وكان يستعين بي لقراءة ورقة المعلومات في علبة الدواء، والسفارة الأميركية لا تمنح تأشيرات الدخول الا للمناضلين المخضرمين الذين يستقرون في واشنطن لشتمنا في عمان.
يأخذني سوء الظن إلى الطمأنينة، فأرى محمد موظفا في وزارة الزراعة، يتقاضى ثلاثمائة واثنين وأربعين دينارا وسبعمائة وعشرين فلسا في الشهر، وينتظر زيادة سنوية مقدرة بأربعة دنانير وثمانمائة فلس. يغادر مكتبه في قسم اللوازم في الوزارة في الساعة الثالثة إلا عشر دقائق، ويأخذ باص العبدلي إلى دوار الداخلية، ومن هناك يمشي إلى البيت في أول النزهة.
في الطريق يشتري محمد خبزا وبيضا وعلبة لبن كبيرة. الأولاد يحبون اللبن. أما هو فيحب الشاي.
وهم آخر.. محمد ينكب على كتابة ورقة عمل عن "آليات تطوير مؤسسات المجتمع المدني"، يشارك بها في مؤتمر يعقد الشهر المقبل في بيروت برعاية وكالة التنمية الأميركية، وشاي ليبتون. سيحفظ ورقة العمل على "فلاشة" لا يستطيع ضبطها أمن المطار. محمد ضليع في تهريب الأفكار، وفي إضاعتها، وقد نسي الكثير منها على مكتبه في الجريدة، وعلى طاولة المقهى، فعثر عليها أولاد حلال يعيدون تدويرها الآن. لا بأس، فليس في قانون المطبوعات والنشر ما يشترط وضع اسم "الكاتب المنشأ" على السلعة المباعة أو المسروقة.
يتواصل الهذيان... محمد يرتدي بدلة كحلية اللون وربطة عنق خمرية، ويلمع حذاءه قبل الانطلاق إلى حفلة عرس في فندق خمس نجوم في عمان الغربية. لا ينسى بالطبع أن يرتدي ساعة الرولكس.
في الحفلة، يشرب الكثير من الشاي، ويتسلى بحفنة من الفستق الحلبي.
صورة أخرى للجنون... محمد يغادر السوق المالي مهموما. خسارة اليوم كبيرة، والأمل بالتعويض في "نازداك"، لكن صفحة البورصة في حاسوبه المحمول لا تشير إلى أي صعود.
أظل في مساحة الخيال.. محمد يجلس بوقار في سيارة كبيرة يقودها شاب متهور في الطريق إلى صيوان على أطراف المدينة. ويراجع في الطريق ما سيقوله في جاهة العرس الكريمة، ويكتشف أن قواعد اللغة العربية صعبة جدا، ويقوده حدسه إلى الابتعاد عن النصب لأنه قد يورطه، ويختار السلامة في التسكين. وكذلك يفعل سلامة- كبير المستقبلين - عندما يرد عليه.
محمد يستسلم لشروط الوجاهة، فيمشي إلى مقعده في الصيوان وكأنه مصاب بإمساك شديد. عندما يلقي كلمته يرتاح.
أصحو من نوبة الحمى، وأعاود البحث عن صاحبي. وأعرف أن الرجل اختفى منذ ثلاث سنوات. يقول أحد أصدقاء السوء إنه مات، ويقسم آخرون إنهم رأوه على شاشة التلفزيون أمس. كان يشرب الشاي في ميدان بصنعاء. ويقول عائد من مصر إنه رآه يأكل الكشري في مطعم صغير في ميدان طلعت حرب، أما المراسلة الأجنبية التي كان يرتبط معها بعلاقة حميمة فتؤكد أنه ما يزال حيا يرزق، ويشارك في هجوم قوات المجلس الانتقالي الليبي على مدينة سرت.
لا أصدق ذلك، واعتبر كل ما تقدم إشاعات مغرضة. محمد في سحاب. وضع الإبريق على النار، وجلس ينتظر وصولي لنشرب الشاي معا.
* "حليمة بالاس" هو الاسم الذي كان يطلقه المرحوم محمد طمليه على منزل المرحومة والدته.
* حسن أبو علي هو صاحب كشك الثقافة العربية في وسط عمان، وهو صديق للمرحوم ولكل المثقفين.
* بيارة المساعدة هي بيارة للبرتقال والليمون في اربد يملكها آل المساعدة أصدقاء المرحوم.
* شاهد عيان هو اسم الزاوية اليومية التي كان يكتبها الراحل في الصحافة اليومية.
المراجع
rasseen.com
التصانيف
صحافة جريدة الغد فؤاد أبو حجلة