بداية نقول -جازمين-: إن دول الربيع العربي كانت , ذات سياسة عالمية جوفاء , وذات إدارة حكم داخلي مهترئ , تمارس الحكم في غياب العدالة , مرتكزة على الدكتاتورية , التي تفرز عصابات حاكمة , تذل شعبها , سيوفها مسلطة على الرقاب بقسوة لا تعرف الرحمة , ولا أدل على ذلك من سجونها و معتقلاتها التي تذيب العظم مع اللحم , و كان المتابعون لتصريحات السياسيين من قادة العالم , الذين يرسمون الحاضر والمستقبل , يدركون أن هناك مخططا قادما , أبعد و أكبر من أن يوصف بالتحول الإستراتيجي و المصيري , ولعل الجميع يذكر ما قالته كونداليزا رايس , وزيرة الخارجيه الامريكيه السابقة , بما سمّته الفوضى الخلاقه .
إلاّ وأنه بعد ما حدث عند العرب , بدءا بتونس و مصر و اليمن و ليبيا وسوريا , وبعض من الململات في دول أخرى , يبرز الكثير من التساؤلات , و بالتأكيد فإن الإجابات ستكون متضاربة متضادة , و ستصل أمواجها المتصادمة الى أعالي الجبال , و هذا أمر مألوف في مجتمعاتنا العربيه , و السؤال الأبرز في هذا الاتجاه, هل باعث هذه الثورات هو الإرادة الوطنية الحرة و الأنفس الأبيه , التي ترفض الظلم , و تتمرد على القهر وحكم الاستبداد , لاستعادة الكرامه المنهوبة منذ أربعين عاما , عاشتها ثلاثة أجيال لم تحرك ساكنا , أو هو فعل أمر صدر من سيد لمسود , أو من آمر لمأمور , وإني أرى كثيرا من الادلة التي خلقت هذه التساؤلات.
الدقة في التخطيط و التنظيم , و السرعة في الاستجابة , و المشاركة بمئات الألوف ثم الملايين , السرعة في التنفيذ , العزم و التصميم , ظهور قياديين لا تاريخ سابقا لهم معروف , لا من الأحزاب , ولا دعاة حقوق الإنسان , ولا ناشطين سياسيين, ثم سرعة التجاوب الدولي مع هذه الأحداث و بالأخص أمريكا و دول أوروبا الغربيه , ظهور الأسلحة الخفيفة بيد الجميع , حتى وإن كانوا مختلفين بالمذاهب والطوائف و متخالفين بالنظريات الأيديولوجية الفكرية , و قوة الدعم المالي لهم و كأنهم دول تملك موازنات غير مدينة للبنك الدولي , هل هذه العوامل كلها أتت من إرادة وطنيه ؟ أو هي بفعل فاعل خفي قوي ! , غاص بمكونات هذه الدول وسرى بها سريان الدم بالجسد؛ ثمة علامة استفهام كبرى ؟ .
هل الإرادة الوطنية من الثوار الباحثين عن الكرامة والحرية , أو الإرادة الوطنية لدى حكام الاستبداد , تسمح لهم بالقتل و إسالة الدماء , ببنادق القناصين أو بأي آلة قتل مهما كان نوعها ؟ , أو أن القتل وآلته كانا من مدسوس بين الصفوف , يخلو قلبه من الرحمة و يفرح كلما زاد عدد القتلى , لأنه بزيادته تتعاظم أرقام المكافئه التي ستمنح له , من أعداء الأمة الذين ناصبوها العداء منذ مئات السنين ,سلبوا أرضها و صادروا خيراتها و تمكنوا من التخطيط والاختراق و التنفيذ , و جعلوا شعوب العرب تأكل بعضها , فمن هم القتلة إذن و ما هي هويتهم ؟ كيف دخلوا , كيف سيطروا على الإرادة الوطنيه و سخروها لمآربهم , كيف نعتد ونثق بأن للوطن العربي أجهزة امنية تحميه ؟ و ها هو الشاهد رؤيا العين و ملء سمع الاذن .
هل المراد أن يخرج العرب من الجغرافيا و التاريخ معا؟ , هل المراد هو التقسيم بإيجاد دويلات متنازعة مذهبيا و طائفيا؟ , تكون بينها نزاعات و شقاقات و حروب مستدامة لا تتوقف , و نعود الى شريعة الغاب بالتنازع على الكلأ و الماء , والتفريغ من التاريخ بتغيير المناهج , و مصادرة الآثار الشاهد الأكبر والأعظم على حضارة هذه الأمة , و محوها من ذاكرة التاريخ و ذاكرة الكبار حتى لا يورثوها للصغار و ما حدث بالعراق , وفي مصر , يقطع قول كل خطيب .
دول الربيع العربي , مورست عليها حرب نفسية , غذتها فضائيات إعلامية , موجهة بحنكة و دقة , لتنفذ خططا استراتيجية , تغزو العواطف و تلهبها , و العقول لتذيبها, لتبلغ في النهاية أهدافها حين يصبح الحليم حيران , مما يرى و يسمع , ثم مورس على هذه الدول سياسة دعم المعارضه بالداخل و الخارج , و تهيئة الظروف لهم , كما دعمتهم بمليارات من الدولارات , حتى لا تجد حرجا في تنفيذ ما تؤمر به .
كل ما لدى العرب يهمنا , ولكن الأهم هو مملكتنا الغالية , وطنا و شعبا و مليكا , لا نريد أن يسمع عنا الآخرون كما نسمع الآن عنهم , فنحن واعون و الحمد لله , ومجتمعنا متماسك , وإن كنا فقراء المال فنحن أغنياء النفس , و نحن أصحاب الإرادة الوطنية الأقوى من الصخر , وإرادتنا الوطنية أقوى من المؤامرات , مهما كان مصدرها و حجمها و استراتيجية أهلها , وإن تداخل هذا مع طلب الإصلاح , فكلنا مصلحون , و أولنا قائدنا و مليكنا , نحن له داعمون ومؤيدون .
حمى الله الاردن وشعبه وملكه
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة عبير الزبن جريدة الدستور