يقتضي الأدب واللياقة استذكار الحكومة الراحلة بالخير وتقدير جهدها في إدارة الدولة في مرحلة صعبة واحترام رؤاها واجتهاداتها التي جاهرنا بالاختلاف معها وهي في الحكم.
وتقتضي الموضوعية اعتبار رحيل حكومة الدكتور معروف البخيت نهاية مختومة بالشمع الأحمر لمرحلة من التأزيم كنا نترقب انتهاءها ونحن نضع أيدينا على قلوبنا خوفا مما تحمله من تصعيد لا يشتهيه إلا من يضمر لنا شرا. كنا خائفين من المآلات، لكننا كنا متفائلين بالتغيير.
بهذه الرؤية المتفائلة يمكن قراءة تكليف الدكتور عون الخصاونة تشكيل حكومة جديدة، باعتباره تدشينا لمرحلة من التهدئة والاستقرار الأمني والسياسي الذي ميزنا بين الدول في هذه المنطقة المشتعلة بالصراع.
رصدنا في المرحلة السابقة أخطاء وعثرات حكومية كثيرة في التعاطي مع قضايانا، ووجدنا في حكومة سمير الرفاعي ترفعا عن ملامسة معاناة الناس والحاجات الأساسية لقطاعات كبيرة في مجتمعنا، وربما أسست سياسات تلك الحكومة لحالة التأزيم التي أوصلتها إلى مرحلة الاحتقان حكومة معروف البخيت، حين تراوح أداؤها بين الحسم الأمني في الوقت الخطأ والاسترضاء الذي كان يجيء في غير وقته أيضا.
دفعتنا السياسات الخاطئة إلى الحافة، ورغم محاولة الحكومة ومنظريها تصغير الأزمة إلا أنها تصاعدت وما تزال تهدد أمن شارعنا في كل جمعة وفي كل تجمع. وقد أدت محاولات تصغير الآخر أو التقليل من شأن القوى السياسية المعارضة، إلى تمكين هذه القوى في الشارع، كما أدت إلى إعادة إحياء دور أصحاب الصوت العالي والرؤوس الحامية الذين توهموا، أمام ضعف الحكومة وحرد المعارضة المؤطرة، قدرتهم على قيادة الحراك في الشارع وتوجيه الخطاب الجماهيري في سياقات لا تخدم الإصلاح.
نأمل أن يتمكن الدكتور الخصاونة من تجاوز هذه العقدة، وأن ينجح في التواصل مع المعارضة الحزبية بما ينهي القطيعة ويخلق مناخات جديدة تحتضن حوارا حقيقيا وجادا، يستشعر حاجتنا إلى برنامج عمل وطني شامل لا تنفرد الحكومة بتحديد محتواه.
ونأمل أن ينتبه الرئيس المكلف إلى خطورة الاسترضاء في تشكيل حكومته وتوزيع حقائبها الوزارية، وألا يخضع للضغوط التي ندرك مسبقا كم هي كبيرة ومحرجة. وبذات القدر من الخطورة ننظر إلى أهمية تجاوزه سياسات حكومات سابقة عمدت إلى ضمان "حصة" كبيرة في البرلمان و"حصة" في الإعلام، ما شكل تناقضا صارخا مع ما ندعي من فصل بين السلطات. ولم يكن الناس بعيدين أو عاجزين عن تشخيص الهيمنة الحكومية على الأصوات في جلسات الثقةالبرلمانية والأقلام في افتتاحيات الصحف، وتحول الأمر إلى مهزلة أساءت كثيرا إلى صورة مؤسساتنا التشريعية والإعلامية.
سيواجه الرئيس منغصات كثيرة ومحاولات متوترة لإعاقة برنامجه سواء من قبل قوى الشد العكسي أو أصحاب الأجندات المتضررة من الإصلاح الحقيقي، لكن قدر عون الخصاونة أن يكون عونا لنا جميعا في إعادة الإصلاح إلى مساره الصحيح والتصدي لمحاولات تجيير المنجز الوطني لحكومة أو لحزب معارض.
مهمة الرئيس المكلف صعبة، لكنه موضع ثقة جلالة الملك، وعليه يقع رهاننا جميعا في الولوج إلى مرحلة جديدة نتنفس فيها بهدوء وينتظم نبضنا السياسي.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد فؤاد أبو حجلة