ماذا يعني عيد الاستقلال الآتي الينا في كل عام، في الخامس والعشرين من آيار، هل هو يوم عابر ككل الايام التي تملء بها البطون وتفرغ بها العقول خدراً وكسلاً، ام هو محطة توقف لحساب الذات بما فعلت.

الاستقلال هو امانة حُملت، فهل اديت الامانة بكل متطلباتها رغم ثقلها حين اشفقت الجبال منها واعرضن عنها وحملها الانسان، ومن هم الذين حمّلونا الامانة هذه بعد الله؟ انهم الشهداء اولاً ثم الوطنيون الاحرار ثانياً، الذين سجل التاريخ افعالهم وامجادهم.

هؤلاء لم يحموا الوطن، ويصونوه بالفساد والمؤامرات عليه، ونهب امواله وافقار اهله، وتركيعهم خدمة لاسيادهم الذين اغدقوهم بالاموال والوعود ليتمكنوا من تركيع الشعب والاستسلام والاذعان لتنفيذ ما يريدون ويخططون له.

الاستقلال حققه الملك الشهيد عبدالله الاول، واحرار الاردن وشهداء ثورات العرب، بدءا بالثورة العربية الكبرى ومروراً بثورات ال36 وال48، حين زغرد الرصاص بيد الثوار والمناضلين المجاهدين المدنيين، واخوانهم العسكريين، الذين لم يعرفوا من العلوم الا الايمان بالله، ومحبة الوطن، والولاء للامير الراعي.

الاستقلال صانه دستور طلال بن عبدالله طيب الله ثراه، عربياً شهماً صادقاً، سيد في الرجال وبين الملوك، ابياً صقراً من صقور قريش، وعربياً نقياً من احرار العرب، لم يلمزه التاريخ بهمزة ولمزة، ولم ينحن لرغبة اجنبي، وان قصرت مدة حكمه الا انها عابقة بعطر شهامة العرب.

ثم جاء الباني الحسين بن طلال رحمه الله، حين جعل من الاردن شأنا آخر، يعترف له الاعداء قبل الاصدقاء، بالحنكة والسياسة، ويجمع على ذلك كل العرب وفي مقدمتهم شعبه الاردني الذي لن ينساه يوماً، فكانت النهضة والبناء والتعليم والصحة والجندية المحترفة، وثبتت المملكة الاردنية الهاشمية، على خارطة العالم بأحرف كل اللغات، محاطة بالاحترام، ويشار لها بالبنان، انها جوهرة العرب، وهي ملاذهم في الازمات والنكبات، وهي المنافحة عن حقوقهم.

ثم آلت الراية للمعزز عبدالله الثاني ابن الحسين، ومضى بحكمه الميمون، سنون مزهرة تتلو سنين، ربيعاً اخضر، قبل ان تصحو شعوب الجوار والاقليم، لتبحث لها عن ربيع، يشابه ربيع الاردن، هذا الربيع الذي ازهر على ارض مخضبة بالكرامة والعدالة والديموقراطية وحقوق الانسان، والتعددية الحزبية والحرية الاعلامية والسلطات المستقلة، في بيئة متناغمة متناسقة بشعب متماسك، نسيجه متين وهمته عالية لا تلين، وولاؤه مطلق بعزم المؤمنين.

هذا هو الاستقلال الحقيقي، حين يجمع الشعب على القيادة، يحميها ويدافع عنها، حين يتنكر الاخرون لحكامهم واوطانهم، يقتلون بعضهم، ويمزقون ديارهم، ويسلبون الاموال، ويدمرون الممتلكات، ويحولون تراب الاوطان الى رماد تذروه الرياح، يستغيثون بالاجنبي وهو يسرق خيراتهم، وما تخزنه بطون بلادهم، ويعود الاستعمار، ويبعث سايكس بيكو من جديد.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة   عبير الزبن   جريدة الدستور