تقول الأسطورة إن رأساً وكتفين قررا الانفصال ليعيش كل منهما وحده فترة من الزمن، وأن يحاول الرأس التكيف من دون الكتفين اللصيقين به منذ الولادة. صمد الرأس أمام هزات كثيرة تعرض لها، وقاوم كل ظروف القهر والوحدة، حتى بلغت المقاومة أشدها فأراد أن يستعين بالكتفين كي يسنداه، لكنهما أبيا أن ينصفا الحياة في هذا الرأس، فانصرف عنهما وبقي وحيداً ليعود بعد سنوات فيجد أن الكتفين لقيا من المر والهوان في العيش ما لا يعقله كائن على الأرض، والسبب أنهما اكتشفا مرّ الحياة بعيداً عن الرأس المكمل لهما، فقرروا اللحمة من جديد، رأساً وكتفين.

 

سُنّة الحياة تقول إن الرأس يحتاج كتفين، وهي السنة ذاتها التي تؤكد أن دولاً عديدة قد تمر بأزمات فتلجأ إلى من يكملها كي يساعدها على الاستمرار والابتعاد عن القلاقل، خاصة إذا كانت هذه الدول تقع جغرافياً في منطقة واحدة، فإذا ما ألمّ بها ضرر ما لحق الضرر بالدول الأخرى.

 

المثال الذي سقته في المقدمة ليس إلا واقعاً لما نمر فيه اليوم كعرب من أزمات، والأردن ليس بعيداً عن حزام الأزمات العريض الذي يخصر الشرق الأوسط، والمنطقة العربية بأسرها، وهو عودة إلى الحال قبل سنوات طويلة حين كان التكاتف العربي بين بعض الدول يبلغ حد الحماية من الأزمات، وكانت علاقاتنا مع دول شقيقة غنية علاقة تبادلية في المصالح والقضايا بحيث نعتمد عليها في بعض المساعدات التي تقينا أزمة يعلم الجميع أنها لن تصيب جزءاً واحداً من الجسم إلا وتلحق كارثة في الجسم كله.

 

لن نتحدث عن حجم المساعدات التي تصلنا من أشقائنا الخليجيين، مع تقديرنا الكبير لكل من يقف إلى جانبنا في أزماتنا، ولن نتناول تقصير بعض الدول في دعمنا، مع أننا لم نقصر في حبنا وصدق نوايانا تجاه كل العرب، لكننا نصرخ هنا ألماً حين نكون في أزمة اقتصادية حقيقية ولا نجد الأكتاف التي يرتاح الرأس بالاتكاء عليها.
ليس عيباً أن نطلب مساعدة الأشقاء في ظل أزمة اقتصادية كبيرة وواضحة المعالم، وليس غريباً أن نرى دولة تمتلك موقعاً جغرافياً حرجاً مثل الأردن تطلب هذه المساعدات من دول المنطقة الغنية بالنفط، لأن أسطورة الرأس والكتفين أثبتت أن لا حياة للأول من دون الثاني، ولا يمكن أن يعتل جزء في هذه المعادلة إلا وينقل العلة لبقية الأجزاء.

 

نحن في الأردن مشكلتنا الحقيقية في الأزمة الاقتصادية التي تطحن خبزنا، وتذر رياحها التبر ليعمي الأعين، ويقود إلى صرف النظر عن قضايا أممية مهمة لكافة دول المنطقة، في وقت نقع فيه ضمن محيط لاهب لكثرة المشكلات السياسية التي تراكمت بسبب عدم الانفتاح على الشعب، وضعف الحريات، والقهر، وعفونة الجو السياسي. لذلك نجد أن المطالبات السياسية في بلدنا مطالبات سهلة التحقيق، إلى حد ما، مقارنة بمن حولنا، لكن موضوعة الاقتصاد نعترف بأنها صعبة، وتشكل أزمة حقيقية مُرَّة في فم دولتنا، فهل من الصعب علينا أن نرمي برأسنا على كتف شقيق ليرتاح قليلاً!

 

أعلم أن ثمة تقديراً عربياً لنا كدولة وقفت دائماً إلى جانب الأشقاء، خاصة في محن دقيقة لا يمكن أن تمحى من الذاكرة العربية، وأعلم أننا في الأردن ما نزال قادرين على حماية الرؤوس العزيزة حين نفرد لها الأكتف، رغم أزمتنا الاقتصادية، ورغم الأحمال الكبيرة على هذه الأكتف... وفي الوقت ذاته لا نقطع الأمل في أشقاء العروبة ممن يؤمنون بنظرية "الرأس والكتفين"، وممن يعلمون أن الأردن باستقراره يفتح أبواب الاستقرار للمنطقة بأسرها.

المراجع

alghad.com

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   فراس النعسان