اعتقدنا أنه كلما تقدم العالم بالعلم والمعرفة و الاختراع أصبح أكثر فهما للحياة و أكثر وعيا للإنسانية و حقوق الإنسان, و انعكاس ذلك على إعطاء الحرية الشخصية مساحتها المستحقة في الحياة , بصفتها المطلقة للبشر والحيوانات بما يكفل الحفاظ على ما تضمنته العقائد الدينية و القيم الاجتماعية .

لكن -للأسف الشديد- تبقى الأنانية و حب الذات هما الأم التي تلد العرفية و الديكتاتورية على مستوى الفرد و الجماعة و الدول, و ما شاهدنا على ذلك ببعيد , دون الغوص في أعماق التاريخ و الأمم, و نحن نرى القبعات الزرقاء فوق الرؤوس غطاء لفكر خبيث مخبوء مدسوس, تغطي تحت نسيجها أهواء و رغبات لابسيها و صانعيها, ومن فكر بأسلوب استخدامها, تحت شعارات شتى, أولها الحرية وثانيها الديمقراطية.

القبعات الزرقاء و سيارات الـ “يو ان” عندما تصل لنصرة شعب ما, يكون أول بواكير أعمالها تحديد الأهداف التي ستدمرها طائرات النيتو لاحقا , بدءا بالمنشآت الاقتصادية قبل الأهداف العسكرية, لأنهم لا يعرفون من القيم الإنسانية التي يدعونها إلا بما يصب بمصالحهم, و جل اهتمامهم سلب خيرات و ثروات الأوطان إسعاداً و رفاهيةً لشعوبهم .

أمطرونا بسماع كلمات الحرية و الديمقراطية , حتى أصبح المثقف فينا و المتعلم و الأمي يردد صداها , مخدوعاً برنين و عذوبة حروفها, و سلاسة ألفاظها على اللسان, و طهارة أهدافها, حتى سرت بنا مسرى الغذاء و الدواء, و نحن لم ندرك بعد أنها السم الفاقد للترياق, لأنهم ما أرادوها حبا لنا أو غيرة علينا, إنما وسيلة امتطوها للوصول إلى بلادنا , لنهب خيراتنا و إثارة الفتنة و الفساد في مجتمعاتنا .

لو أنهم أتوا على صدق لتحرير الشعوب من ديكتاتورية حكامهم , الذين جلسوا على كراسي الحكم سنين و ردحا من الزمن, لما أمعنوا السيف و القتل بالعراق, حتى بعد زوال النظام و كذلك فعلوا في دول عديدة , بين تمزيق و تدمير و نهب و ما الى ذلك, أقطار سلفت و قضي الأمر بها و أقطار أخرى آتية على الطريق, إنهم يريدون ابتلاع الذهبين الأسود و الأصفر, لأنهم يروننا لا نستحق رفاهية الحياة .

جعلوا الحرية كرة للقدم, متى أرادوا سجلوا أهدافا ومتى أرادوا أخرجوها خارج الملعب, تتسلى بها الشعوب, و تدمن عليها الأجيال الصاعدة , فكلهم بين لاعب و مشاهد ولكن الفوز بالكؤوس لهم وحدهم, لأنهم يلعبونها على أرض خضراء لا تدمي أقدامهم, و أبناؤنا يلعبونها على التراب و تحت أشعة الشمس الحارقة .

الحرية ليست منحة أو هدية نأخذها منهم و نفرح بها, بل هي هبة الله لخلقه, أينما ولدوا و حيثما عاشوا, و ليست مساحة محدودة نطلبها حيناً و نتخلى عنها حيناً آخر, و الحرية الحقة لا تأتي بالسلاح ولا بالإكراه , لأنها جزء من الإيمان الذي يعمر القلوب و ينطق به اللسان و يظهر عملا على الجوارح , وليست الحرية للأشقر و الأبيض و يحرم منها الأسود و الأصفر, أياً كان الدين و العرق و الجنس و القومية و الفكر.

فهمنا الخاطئ للقبعات الزرقاء , أكثر من ثغرات الضعف فينا , بل زاد ذلك انحساراً و انكساراً, حين حسبنا كلامهم هديل الحمام و وعودهم صافية من الشوائب كصفاء الثلج, وبقية الحديث عند قارئ هذا المقال.

حفظ الله الأردن و شعبه و مليكه .


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة   عبير الزبن   جريدة الدستور