تدربتُ نصفَ قرن على التدرجِ في اللثغ
يدي معولٌ وفمي شهادةٌ على تناثر الحقول حول الكلمات
أستيقظُ عندما ينامُ الطير
لأتفقدَ أعشاشَ اليمامِ وأغزلَ لقشها قصيدة من يقين هل حلمتُ بلغة ورثتها عن أسلافٍ يتلعثمون بالحياة
كما لو أنني أسافرُ في متاهة الألغاز
حين أحفرُ اسمًا على صخرة عتيقة
وأقول إني أرسمُ وطنًا سريًا
الآن، وعندَ السطرِ الأولِ في القصيدة
ولدت غزالةٌ فتعثرتُ بالكلمات: كم أحبك
نامي إذن، نوّميني إذا شئت
لكن لا تنسي أني أحب قهوتي مُرةً، وسجائري تُظلل رأسي بالغيوم
حين تفكرين بيباسي، انظري إلى حقولي المترامية
على أطراف القصائد.
نصف قرن بل أقل عاما أو عامين، كنت أركض في الحقول وحيدًا
قدمي تلثُم الأرض ويدي ترتجف
حالما أفكك سركِ المراوغ، وأنظر في المرآة لا أجدني
الظلال وبقاياي، يلمعان خلف فضتها فقط
أنت وحيدة أيضًا وأنا مسكون بالنهر
هل أكتب عن وطن مُثَلمٍ بنا
أم نرقصُ مع غيمة مباركة؟
تدفق إذن يا نهرُ، تدفق إذن يا خمرُ، تدفق إذن يا سحرُ
تدفق إذن يا عُمْرُ، تدفق إذن يا قهرُ، تدفق إذن يا قبرُ
تدفق إذن يا زهرُ، تدفق إذن يا بحرُ، تدفق إذن يا دُرُ
واترك الشاعر يذهب نحو الخمسين بلا هوادة
وهناك اسرق ما تُريدُ من قصائده
لن يبتزك في محكمة الجن
وسيسافر إلى آخر القرن وحيدا إلا من اسمه
وصوتِ الناي المترنح في حانة الوقت.
باليقين إذن أضع قدمي على عتبة الخمسين
باليقين الذي ترسمه لغةٌ ضاريةٌ وحروبٌ مزمنة
باليقين المتلعثم في صدر النص
أحلمُ باليقين الميت، أدمدمُ
يا بلادي أنا أحبك، يا امراتي أحبك
يا حديقتي المريضة بالخضرة: أحبك
رأسي مصدوعٌ ويمامي ميتٌ أيتها الأجراس
سأتبعثرُ حتى ألتقي بصوتي، وأمزقُ أوراقي لأنام
ثمة دخانٌ يتصاعدُ من منفضتي
والليلُ طويلٌ لكني حين أراوغُ هذي البلادة
أحلمُ بمتاهة زرقاء تسرق أحلامي وتبيعها إلى الغياب
ثمة ورقةٌ جافةٌ على شجرتي
ورقة السنواتِ المريضةِ بي تنتظرٌ العاصفة
ثمة عاصفةٌ لم تمرْ، حديقتي عمياء
رأتْ ذيل السماء يسقطُ مع النيازك وقلبي يدق
أيتها الساريةُ البعيدةُ، وطني في دقة الحرف
مقفر بين اللثغات المسحونة بالهيل وحداء المغنين
لست عليلةً يا ساقية الريح
نصف قرنٍ أو أقل، ستعلمني كيف أرقص مع صفصاف اللغة.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد غازي الذيبة