لم يكن إكمال الهولندي أدوين فان دير سار الشهر السادس بعد الأربعين من عمره، حدثا عابرا في إنجلترا على الأقل وهو يزداد توهجا مع المان يونايتد.. فقد احتفت به الأوساط الكروية هناك، وجعلت من سيرته ميدانا للدراسة والتأمل واستخلاص العبر.
لكني لا أجد في هذه الفاصلة الزمنية في حياة الحارس الهولندي، ما يبعث على الدهشة، ففي العام 1996، أكمل اللاعب العراقي الأسمر عناد عبد السنة الثالثة والأربعين من عمره وهو يقلب حقائق العمر ومتطلباته ويلعب الكرة في هذه السن بعد أن ينهي نصف يومه من العمل سائقا لسيارة الأجرة.. ومع هذا فإن أحدا منا لم يحرك ساكنا لدراسة ظاهرته التي لم يسبقها سابق في عالم كرة القدم العراقية، ولا أريد الجزم بالقول: والعربية أيضا!
ولكن ما هذه الطفرات المميزة التي تقدم فيها ملاعب الكرة نماذج تحتفظ بسلاح البقاء رغم أن الناس، في العراق على الأقل، لا يحتملون استمرار اللاعب مع الكرة بمجرد بلوغه سن الثلاثين أو ما بعدها بقليل؟.
مجلة مانشستر يونايتد التي تنطق بلسان النادي الشهير تحاول التماس الإجابة بالقول: ما تزال لمسات فان دير سار أكثر تأثيرا من تلك التي يطبعها لاعب أكثر شهرة وأقل عمرا.. إنه جزء من جيل منح العالم كله المتعة، بل إن البقاء صار أعظم تحد للاعب المخضرم، والدليل أنه ما يزال الحارس الأول في البريميرليغ وأحد حارسين عملاقين هما الأفضل في العالم.. والحارس الثاني هو بالطبع الإيطالي بوفون.
ومؤكد أن ما ينطبق اليوم على فان دير سار، انطبق في يوم مضى على نجمنا الهجومي عناد عبد الذي كابد الكثير في الملاعب العراقية، ورغم هذا أكمل رحلته وهو في الثالثة والأربعين.. كان يطلق ساقيه للريح، ويجري وراء الكرة ليخالف الفكرة الراسخة في أذهان الجمهور، ومفادها أن اللاعب يصبح عالة على فريقه بمجرد بلوغه مثل هذه السن المدهشة.
في ذلك الوقت، وحين سألت عناد عبد عن سر احتفاظه بجذوة الإبداع، قال: أنا لا أجري في كل الميدان مثل أي لاعب شاب يصل إلى كل زاوية في الملعب.. ولكني أملك الخبرة على ترتيب مجهودي.. وأظنه كان يقصد “تقنين مجهودي” لكنه كان بسيطا ولا يتحدث ببلاغة إلا بلسان الكرة!
عادة ما يصيب الضجر الناس من لاعب يزيد عمره قليلا على الثلاثين.. وتطالبه بالاعتزال رحمة بصورته الوردية في الملاعب.. وفي مناخ كهذا يصاب أي لاعب طموح وخبير بالصدمة، وقد يرضخ للضغوط والمطالبات فيغادر الملاعب.. إلا إذا كان عمره الإبداعي مديدا كما هو الحال بالنسبة لعناد عبد.. ومن مثل عناد عبد كي يفعلها في يومنا هذا؟.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   علي رياح