لم يتراجع الاهتمام بكرة القدم، حتى في تلك العهود الي تدنت فيها نسبة الامتاع بسبب التكتيكات الدفاعية التي سادت في العقدين “الثمانيني والتسعيني” من القرن المنصرم.
كانت تلك حقبة طويلة جرّب فيها المدربون الكثير من الاطروحات الدفاعية المتزمتة، التي تخرج من معطف (السلامة أولاً)، لكن الديناميكية التي تتميز بها الكرة، تجعلها على الدوام سببا مزمنا للثورة على الواقع والانفتاح على عوالم جديدة.
ولا يخرج (العرض الكروي) في دوري أبطال أوروبا عن هذا الوصف، فلقد انتصرت كرة القدم، وتخلصت زوايا عديدة فيها من الرتابة أو التحفظ أو الاحتشام، وما إلى ذلك من مصطلحات كانت رائجة لدى جيلين ماضيين من صناع الكرة أو متلقـّيها على أقل تقدير!.
الخبراء الذين لا تمر عليهم شاردة أو واردة من سباق التشامبيونز ليغ الحالي، يرون عوامل أخرى غير مسبوقة في هذا التجدد الذي أصاب الجسد الكروي الأوروبي، وسيصيب كثيرا من مناطق اللعبة في العالم من منطلق التأثير والتأثر.
من هذه العوامل اتساع حجم المنافسة الفعلية، وإلى درجة لم تعد فيها مفردة مفاجأة تفسيرا معقولا أو مقبولا لبعض النتائج. خرج الميلان بخسارة ثلاثية أمام نابولي الذي لا شأن له اليوم في عالم الألقاب، الأرسنال اهتز من قبل ثماني مرات أمام شياطين المان يو، ليفربول الساعي للقمة مجددا تعرض لأربع طعنات نجلاء بخنجر توتنهام، ليفانتي يفرمل الريال في موعد غير مناسب تماما للنادي الملكي، وهكذا تدور العجلة في البريمرليغ والكالتشيو والليغا وكل مسابقة كبرى!.
صارت أوروبا تتقبل كل نتيجة، وأية نتيجة، ففي مجلة (تشامبيونز) التي يصدرها الاتحاد الأوروبي لكرة القدم جاءت التحليلات موضوعية، فلم يتورط محلل واحد في وصف نتائج الجولة الماضية من دوري أبطال أوروبا، بالانقلاب في الحسابات المتاحة أو القائمة في البطولة!.
يخسر الكبار، وتعبث الأندية القادمة من الخلف بكل الحسابات، والكل ينحني للنتيجة ويقول: لا مفاجأة، فالمنطق في العادة، ألا يكون ثمة منطق في ظل هذه الحركة المستمرة للكرة وسط التكتيكات التي تعبث بالمنطق، وتهزأ بالحسابات التي تسبق كل جولة، فقد دخلت كرة القدم فضاء مفتوحاً للمتعة بدخول قوى أخرى الى المعترك الأوروبي!.
كنا بعد كل حدث كروي كبير، نتبارى في استلال السياط كي نجلد ظهر الكرة ونتوقف طويلاً عند المتعة المهدورة فيها، لكن التشامبيونز ليغ، بإبهارها ونجومها ونتائجها، تمثل احتفالا مختلفا بالكرة، احتفالا يجبرنا على الاعتراف بأن الكرة استردت وعيها، وقدمت لنا دلالة عميقة على أن هذا الجنون بالكرة له ما يبرره، هي ساحرة قادرة على الظهور بأبهى حُـلة كلما ساد الاعتقاد بأنها استنفدت كل ما لديها.
وإنه لسبب وجيه وكافٍ لأن تكون الكرة بهذه الحظوة في الأزمان كلها!.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد علي رياح