نخطو مسرعين نحو خاتمة عامنا الحالي و”الراكض” نحو ذمة التاريخ، ولم أجد القدرة على منع نفسي من أن تعلق بالعبارة المصرية الشهيرة “أهو كلام والسلام”، حين قرأت هذا الدمار المفزع الذي حلَّ بالاستفتاءات الرياضية العربية، وإلى الحد الذي باتت فيه الحقائق الملموسة بالمقاييس النظرية والعملية، أشبه بالنكات التي تستدر ضحكا كالبكاء.
انظروا إلى هذه الوجهة التي يأخذها استفتاء أقوى دوريات كرة القدم في الوطن العربي، عبر أحد المواقع الالكترونية.. النتائج حتى اللحظة التي اكتب فيها هذه الفكرة، تشير إلى اكتساح سعودي لا يُبارى وصل إلى مستوى الحصول على ما يزيد على ثلث أصوات المشاركين في الاستفتاء عبر الرسائل النصية أو الانترنت.
أما المفاجأة المدوّية التي تستحق أن تقترن بها عبارة “من العيار الثقيل”، فهي أن الدوري اليمني يحتل الترتيب الثاني بعد الدوري السعودي وقد اقتربت النسبة من خمس الأصوات.
عقلك سيتململ، وسيتحرك على الفور وستسأل عمّا حلّ بالدوريات العريقة الكبيرة في مصر وتونس والعراق والمغرب والسودان والأردن بل وحتى قطر.. معك حق فيما ستذهب إليه، فلقد اختفت هذه الدوريات تماما من واجهة الاستفتاء، وهي ضربة موجعة موجهة إلى طبيعة الاستفتاء قبل أن توجه إلى الدوريات نفسها.     
فخلال خمسين سنة مضت، لم تنتزع أشكال التطور الحاصل في كرة القدم صفة “التفرد” من مسابقة كالدوري المصري، فلماذا يغيب هذا اللون العريق المميز الذي احتفظ بسحره، وبأجوائه، وبنجومه، وبأصدائه المثيرة، فضلا عن مستوى المباريات وهو مميز وتحيط به المتعة من كل صوب. 
أما الدوري العراقي، فبالرغم من ملاحظات كثيرة تؤشر على نظامه، وعلى مستوياته خلال المواسم الماضية، فإنه يظل في مرتبة متقدمة.. وأنا أراه في ترتيب متقدم إلى الدوري المصري والتونسي والسعودي والمغربي والأردني والقطري.. ومع كل هذا، فإن الصوت العراقي اختفى تماما. 
هذا هو بالضبط ما يمكن أن نسميه “استفتاء .. والسلام”، فالغاية جلية ولا تستدعي إجراء بحوث معمقة تمنح البراءة للجانب التجاري الذي يحاول -في كل مرة- العزف على اهتمامات الجمهور العربي المحب لكرة القدم، ومحاولة استخراج ما في الجيوب من منطلق حث كل مشجع على التعصب لناديه وللدوري الذي يلعب فيه.
استفتاءات جماهيرية.. لا شك في ذلك، ففرصة التصويت متاحة لك، وأنت محق في ما تقول أو تختار بعد أن تدفع مقابلا لصوتك.. لكن ما أبعد إفرازاتها ونتائجها عن القدر الأدنى من الموضوعية.. فبعد أيام، ستأتي النتائج، لتتحدث عمّا بلغناه من قدرة على التعصب وعلى القفز فوق الحقائق.. فنحن نجري ونقفز ونلهو بفلوسنا، ولا دخل للحقائق في عمل تجاري يرتدي لبوس الكرة.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   علي رياح