حين تتناهى إلى سمعك تلك المشاهد الترويجية التي أُعدت للإعلان عن احتضان الدورة العربية الثانية عشرة على أرض قطر، لا تملك سوى أن تعود بذاكرتك إلى تلك الأزمنة التي حملت كل معاني الاقتراب والتفاعل بين كل مفاصل وطننا العربي الكبير.
ومشاهد التنافس الذي سيحتدم طوال أسبوعين، في الدوحة والريان والغرافة، ستطرد عنك كل إحساس بالذبول أو التشظي أو التلاشي.. إنها مشاهد تمتزج مع تلك الرغبة الأزلية التي يحملها أي عربي للقاء أخيه على أي بقعة من أرض الوطن.. وفود حملت هواجس شتى قد لا تجد بينها صلة أو تشابها.. فثمة من يريد أن يجعل من الدورة العربية منطلقا نحو آفاق أخرى سيرتادها في عالم الرياضة، وهناك من اجتاز الإطار العربي قبل سنوات وسنوات ووضع نفسه باقتدار في الدائرة العالمية.. لكن تباين النتائج أو اختلاف وجوه المشاركة وبواعثها لا يعني افتراق الجميع، بل يزيدهم التفافا حول الهدف الأسمى الذي تحمله هذه الدورات.. فلعلها جزء من الرصيد القومي العربي "المتبقي" الذي يمكن أن نستند إليه أو نلوذ به في كل منعطف حرج تمر به الشعوب العربية، ولا تجد بين الصلات التي تحفظ لها تقاربها غير الثقافة والفن والرياضة بعد أن عزفت الوشائج المفترضة الأخرى على أوتار الاختلاف وبالتالي القطيعة التي لا سبيل إلى قهرها في يومنا الحاضر!
مراد القول هنا إن الدورات الرياضية العربية ليست فقط نشاطاً دورياً يمر بنا لنطل منه على واحد من أهم الثوابت الرياضية التي رسختها شعوبنا عبر ثمان وخمسين سنة مضت، إنما هي كذلك رغبة تجتاحنا لطرد كل هواجس الافتراق، وتفعيل العوامل أو الأسس المشتركة الأخرى التي تجمع العرب.. وليس في هذا الكلام خطابة مُنفرة أو مزايدة على واقع لا يستقر إلا في الأحلام، ولا هي دعوة إلى بوس "سياسي" للرياضة، بل إنها تلك الحقيقة التي وضعت أجيالا سبقتنا أسسها ومفاهيمها، وكان علينا أن لا نفرط بهذا الإرث الذي تعرض لهزات السياسة ومطباتها في فترات متعددة، كما حصل أواسط السبعينيات والتسعينيات من القرن الماضي، لكن للرياضة سحراً لا يقوى أهل السياسة على مواجهته، فكانت الدورات تعود إلى الانتظام على سكة الاستمرار بعد كل نوبة جهل أو تجاهل عربية بالمعاني التي تقف وراءها.
وللأسف، فإن شعوراً بالمرارة يغمرنا، حين نجد مثل هذا الترهل في قوام الدورات العربية الأخيرة.. الترهل الذي قام على أساس واهٍ مفاده أن هذه الدورات قد فقدت ذلك البريق المشع الذي كان يحيطها في المرة الأولى التي أقيمت فيها أو في القليل من الدورات التي تلتها، وأن مفاصل كثيرة من الجسد الرياضي العربي لم تعد في حاجة إلى "حلقة زائدة" كهذه بعد أن تحولت عندها إلى التزام مرهق لا يقوى على الصمود أمام إغراء المشاركات الدولية الأوسع.
نظرة كهذه تصيب الدورات في صميمها.. فليست المصلحة الرياضية ببعدها الفني أو الإنجازي هي ما يتبقى من أهمية للدورة، إنما هي ذلك الرباط العربي الذي يحيي فينا الأمل كلما انطمرت عوامل اللقاء على مائدة السياسة أو الاقتصاد أو الفكر، فما أحرانا بأن نحيط هذه الحلقة بكل الحرص على الذهاب إلى كل دورة عربية بأفضل ما لدينا من مواهب وطاقات محلية كانت أو عالمية.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   علي رياح