ابتلاني الله بـ «حدّاد» نكِد. ويبدو أنه جاء «بدون نِفِس» من قِبَل صاحب العمارة الذي اشتريتُ منه الشقّة. كان المطلوب إضافة قطعة حديد بحجم مسطرة متوسطة لأسفل الباب من أجل منع تسرّب مياه الأمطار الى البيت.

كانت السماء تمطر، ولم أُصدّق أنه سيأتي. فهؤلاء القوم «الصنايعية» لهم مزاجهم الخاص والعجيب. لا يفكرون الاّ بالمال. طبعا الاّ من رحم ربي.

ماشي ياسيدي يوخذ أُجرته بس يشتغل بضمير.

هكذا قلتُ في نفسي بعد أن أنهيتُ المكالمة مع السيد صاحب العقار الاصلي.

قرابة الساعة الثانية الا ربع حضر «عطوفة» الحدّاد. ودفش الباب بعنف وهي طريقته في طرق الابواب. صاحت زوجتي: قوم يا رجل شوف بجوز في زلزال.

« زلزال»؟.

وكوني «رجل البيت» في زمن عزّ فيه الرجال، نهضتُ مثل النمر لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. ففوجئت برجل يلتصق بالباب يود لو يخترق الحديد.

قال: أنا الحدّاد جاي ازبّطلكم الباب، وين الباب؟

قلت: الذي تلتصق به، ما فيش غيره عنا «حديد».

تأمل الباب مثل خبير. قلت: تاهت ولقيناها، الرجل عارف شُغله تمام. وكدتُ أعتذر عما بدر مني تجاه «الصنايعية»، لولا أن الرجل «أمرني» بكل عنف أن أفتح له النافذة كي يوصل سلك الكهرباء. قلت: حاضر.

ثم «أمرني» ان أُساعده وقال: «ناولني مفكّ مصلّب». غبتُ أبحثُ عن مفك مصلب في المستودع وفي الجوارير. قال: هذا «بايز» جيب غيره.

قبّعت معاي .قلت: في واحد حدّاد معوش مفكّ؟

لم يعجبه كلامي. ولأن النوايا غير سليمة، لم يعمل جهاز «لحام الاوكسجين». أخذ يتأفّف. وقال: في «شورت» كهربا ضرب «الجهاز».

وشعرتُ بالراحة لأن المقصود «جهاز اللحام» وليس أي جهاز آخر.

قلت له: اذا الوقت مش مناسب خلي الشغل ليوم ثاني. لكنه لم يرد وأخذ يعبث بـ «الجهاز إيّاه»، ثم «أمرني» أن أوصّل سلك الكهرباء العاري من أطرافه العليا.

صارت لديّ خبرة في الكهرباء.

قلتُ لزوجتي التي كانت تراقب «عذابي» من بعيد لبعيد.

أُخبط، اختفت الكهرباء عن بيتنا، صار «شورت». على الفور «نهرني» الرجل: بسرعة ارفع القاطع اللي نازل. أخذت أحملق بالقاطع اللي نازل، حتى اكتشفته بالصدفة ورفعته دون تردد.

مِشي الحال.

وأنهى الرجل عمله، وقبل أن ينتظر كلمة مني حمل «عدّته» واختفى.

بعدها بساعة، نزل المطر ومعه جاء الثلج وفي المساء، لاحظنا ان ماء الامطار عاد ليتسرّب من أسفل باب «الحديد».

كأنك يا ابو زيد، ما غزيت، شكرا «عطوفة الحدّاد».


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة   طلعت شناعة   جريدة الدستور