نسمع، ولا أعرف مدى صحة ذلك ولا أستبعده، أنك إذا تحدثت إلى ألماني في ألمانيا أو فرنسي في فرنسا باللغة الإنجليزية، فإنه يتجاهلك، أو يدعي عدم الفهم حتى ولو كان يعرف الإنجليزية.. تبدو هذه الظاهرة وأنها "شوفينية لغوية" غير مبررة. (السبب طبعاً هو الاعتزاز بالأصل والموطن، معبراً عنه بمعانقة اللغة). ولا أستطيع أن أدعو من هذا الموقع إلى تجاهل ضيوفنا الأجانب وعدم التعاطي معهم إن هم تحدثوا بغير العربية. فأنا لا أريد أن أتهم أيضاً بالشوفينية، أو بتهديد الأمن القومي، أو حتى بأكثر من ذلك -لا سمح الله. ولا أنسى انتمائي إلى شعب يفتخر بإكرام وفادة الضيف التي ورثناها عن جدّنا حاتم الطائي، حد التضحية لأجله بخيولنا.
ما أريد أن أنبّه إليه، وأعرف أنكم تلاحظونه، هو أن الكثيرين منا، نحن الأردنيين، يرطنون بالإنجليزية فيما بينهم أكثر من اللازم وحيث لا يلزم. ومع أن حواسيبنا مزودة، غالباً، بنسخة معرّبة من نظام النوافذ (شكراً لمايكروسوفت ومبرمجيها الإسرائيليين)، فإننا نتبادل الرسائل الإلكترونية والهاتفية بالإنجليزية -ويا ليتها كانت إنجليزية سليمة، إذن لهان الأمر! أو بلغة "الثرثرة" المغرّبة، والمكتوبة بحروف أعجمية وبرموز كتعاويذ السحَرة. والمبرر: "البريستيج"، والادعاء المعرفي الخائب، خاصة إذا كان معظمنا يتعثرون في كتابة فقرة واحدة صحيحة بلغتنا الأم الثكلى.
هل نسمي هذه الظاهرة "غزواً لغوياً" تقحّمَنا بمكر فاستقبلناه بالورود، تماماً كما أمل "بوش" في مطلع غزوته العراقية؟ يمكن! ولكن، كيف يجوز التباهي بالرطانة وليّ اللسان باللغة الثانية وكأننا تعوزنا فصاحة التعبير بلغتنا الأولى أو كأننا نأنف منها؟ أهي عقدة الدونية والتبعية و"الإفرنجي برنجي"؟ فلماذا نكرسها في مجتمعنا؟ لا أعتقد بأن "الغزو اللغوي" ينفصل عن الاحتلال، بكل المعاني المحملة على هذه اللفظة البغيضة. والتدثر بغطاء لغة أجنبية نظنّه برّاقاً هو محاولة لإخفاء شيء نعتبره مُعيباً، فنتقمص "العُجْمة" التي كانت سُبّة فأصبحت "مؤشراً على رفعة الطبقة"! إن ذلك قبول بالاحتلال، وتخل طوعي عن أبرز سمات هويتنا وفخرنا الوطني والقومي، على المستوى الفردي والجمعي: عربيتنا الرائعة التي هي نحن.
يتحدثون عن صعوبة قواعد العربية. حسناً، ليس المطلوب أن يكون المرء ببلاغة قسّ بن ساعدة حتى يتحدث إلى رفيق في مقهى أو زميل في العمل، أو أن يكتب شيئاً لمواطنيه على البريد الإلكتروني بالعربية.. إن الطبيعي هو أن تحدثني بالعربية ما دمنا نفهمها أنا وأنت، وبالعامية.. لا بأس. وأن تكتب إليّ كذلك، وأن تحبّ هذه اللغة الفاتنة حقاً. وهي لغة لا بد أن يعشقها كل من وقف قليلاً على مشهدها الساحر، وتأمل جمالياتها بلا نفور ولا رفض مسبق. ليست هذه دعوة إلى نبذ اللغات الأجنبية، وأنا من الأكثر اشتباكاً مع واحدة منها بحكم عملي في الترجمة، وحبذا لو يعرف واحدنا خمس لغات أجنبية أو عشراً. لكن الطبيعي والعادي هو أن نتخاطب فيما بيننا بلساننا نحن، وأن يكف المتكلفون منّا عن استخدام اللغة الدخيلة، أحياناً بركاكة لا يمكن أن يقعوا في مثلها لو تحدثوا بعربية بسيطة ومحببة، وأن نستخدم اللغات الأخرى حيث يلزم ذلك وفي موضعه.
أختم مستضيئاً برأي إدوارد سعيد، المفكر العالمي الراحل. ولمن لا يعرفه، فإنه من أفضل الذين كتبوا بالإنجليزية، وبمستوى يعجز عنه أصحاب الإنجليزية أنفسهم ويُعجز المترجمين. قال سعيد حين سئل عن العربية: "يساءُ تقديم العربية (في الغرب) بشكل مريع، ويُنظر إليها بوصفها لغةً مولعةً بالجدل، وبأنها لغة عنيفةٌ باعتبارها لغة الإسلام. لكنها في حقيقة الأمر، تمثل بالنسبة لواحد مثلي يعرف العديد من اللغات، أكثر اللغات جمالاً على الإطلاق. إنها لغة بالغة الرشاقة والتساوق في بنائها ومنطقها. إن لها بنية أرسطية".
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد علاء الدين أبو زينة