"اللقطة الأميركاني"، فيما أعلم، تعبير شائع عن إيهام شخص بأنك التقطت له صورة بضغط زر "الفلاش" فقط، ومن دون التقاط الصورة فعلاً. (لاحظوا وصف "الأميركاني"). ونحن، مواطني هذه البقعة من العالم، موضوعٌ دائم لمزاح هواة التصوير من "هنا" و"هنالك". ويوهمنا الكلّ بأننا "في الصورة"، ويضغط الفلاش بعد أن يطلب منا أن نقول: "تشيز"، وننتظر مظروفاً فيه صورنا الباسمة التي ستبقينا في ذاكرة التاريخ.. والمفارقة، أن فكرة "اللقطة الأميركاني" العبثية خطرت لي في واحد من أكثر المواقف جديَّة.
كنت أستمع إلى زملائي وأصدقائي وهم يناقشون ما يمكن للإعلاميين عمله لنصرة القدس في هذه الأيام الصعبة، بنت الأيام الصعبة، والتي يبدو أنها ستكون جَدَّةً لأيام صعبة. وشعرت ببعض السلوى في هذا الحماس لمواجهة الهجمة الشرسة على مدينتنا العتيقة، مهوى قلوبنا. لكنه غلبني شعور الأسى العاجز الذي طالما شعرنا به كلنا كلما رأينا الاحتجاجات، والكتابة، وحرق الأعلام، بل وحتى دماء عشرات الآلاف من الشهداء، وهي تذهب كلها بلا ثمن سوى صدى صوت المُطالِب بالحق الذي لا ينبغي أن يضيع. هكذا كان حالنا أيضاً وهم يغتالون غزة أول العام الماضي.
ولأن اليائس يتعلق بقش الأحلام، هربت بخيالي من "الواقعي" و"ما يمكن عمله"، وقفزت أسبوعين أماماً إلى مؤتمر القمة العربي المقبل في طرابلس؛ وتطلعت، بعين الغارق المتشبث بالريح، إلى قادتنا الذين تتعلق بأيديهم مصائرنا ومآلات أحوالنا، وتصورت "فانتازيا" كاملة –ولا تظنوا، يا رعاكم الله، أني فقدت بقية عقلي باجترائي على قصِّ رؤياي:
رأيتُ.. (اللهم اجعله خيراً)، قادتنا وقد اجتمعوا بعد أن أغلقوا على أنفسهم القاعة وأخرجوا الدخلاء، وتأكدوا من عدم وجود أجهزة تنصت ولا تصوير، وأقسموا بكل مقدس أن لا يشي أحد الحاضرين بما باح به الآخرُ في لحظة إشراق. وبعد مداولات قصيرة، قرروا ببساطة استعارة الطريقة الإسرائيلية في تحقيق المعجزات: الضغط على الإدارة الأميركية.
طيّب؟ وبماذا نضغط يا فصيح، نحن المساكين البائسون والفقراء القليلون، على العملاق الأميركي الهائج؟ ومن أين لنا كثرة اليهود وثروتهم؟
... وصدر عن القمة البيان الختامي التالي: "بعد التداول فيما آل إليه حال شعوبنا من الهوان، قررنا أن لا نتحمّل المزيد من الهوان. وقررنا: إغلاق سفارات الولايات المتحدة في كافة العواصم العربية، وسحب سفرائنا كافة من واشنطن (وحلال عليكم ما لنا في جيوبكم). وقررنا أن لا نبيع لكم شيئاً، بما في ذلك النفط؛ وأن لا نشتري منكم شيئاً، بما في ذلك القمح؛ وقررنا مطالبتكم بسحب كل ما ومَن لكم على الأرض العربية، وبمغادرة طائراتكم مجالنا الجوي والحيوي. إننا لا نعلن الحرب، وإنما نريد حقنا المشروع في أن تستمعوا إلى تطلعات وأشواق عشرات الملايين العزيزة من شعوبنا، مثلما تلبّون أطماع بضعة ملايين محتل وقاتل، ينتهكون كل شرائع الأرض والسماء بمباركتكم. وسنعتبر أي اعتداء على أي شبر من أرضنا، العزيزة أيضاً، إعلان حرب على الجميع. نقطة".
ورد الفعل؟.. سوف تعلن أميركا الحرب على العرب أجمعين، وترسل أساطيلها وجيوشها، وتبدأ الإنزال من موريتانيا غرباً لتحتل الأرض شارعاً فشارعا، ومنزلاً فمنزلا، حتى حدود إيران شرقاً.. لا بأس، فذلك سيعني تجنيد كل الشعب الأميركي تحت سن التسعين للسيطرة على هذه المنطقة الشاسعة، وستبقى أميركا بلا سكان، وستستطيع أميركا المنهكة من حربين صغيرتين في أفغانستان والعراق، والمرعوبة من كوريا الشمالية وحدها، تحمل هذه الكلفة.. أما الاحتمال الثاني، والأسهل، فهو أن تقوم أميركا بقصف الوطن العربي بالقنابل النووية والهيدروجينية وتتركه قاعاً صفصفاً تصفر الريح في عرَصاته.. ولا بأس بهذا أيضاً، لأنها ستعيش بلا بترولنا، ومُقدَّراتِنا، وبلا هذا العدد الهائل من الزبائن الشرهين الذين تضع بسطارها على رؤوسهم، وستخلّصُنا أيضاً من بؤسنا الذي فاض وزاد. والأهم، ستذهب معنا بطبيعة الحال، إسرائيل، التي لن تحب البقاء، بعد فنائنا النووي، في جوار خاو لا تستأسد فيه على أحد..
قولوا: "تشيز"،.. أشعلوا الضوء.. ولا تنتظروا الصورة..!
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد علاء الدين أبو زينة