قبل نحو أسبوع، غيب الموت المفكر العربي الكبير محمد عابد الجابري. وشكل موته فجيعة مضاعفة لمشروع النهضة العربي المحتضر، في وقت نزداد فيه عوزا إلى المفكرين الشموليين باطراد، وبحيث يكاد المشهد يخلو من القامات الكبيرة التي يصعب تعويضها. وإذا كان ذلك يؤشر على شيء، فإنه لا يشي بأي فرج قريب لمواطني هذه البقعة المتعبة من العالم، بقدر ما ينذر بمستقبل غامق وأكثر قتامة.
ولا يجد المتأمل صعوبة كبيرة في العثور على الصلة بين موت الجابري وبين أحداث العنف التي شهدها "شارع مكة" في الأسبوع الماضي، ولا بين الحدثين وبين التراجع العام والواضح في الحراك الاجتماعي والفكري الجمعي في كامل رقعة الوطن العربي. ولا يصعب مطلقا تشخيص أزمة الشخصية العربية الجمعية، وارتباكها وسلبيتها أمام التحولات المحلية والعالمية التي تجري من دون أن يكون لنا أثر يذكر في تحديد وجهتها. كما لا يصعب تعقب انعكاسات هذه الأزمة الجمعية على المستويات الأكثر محلية وفردية من السلوك، ومظاهر الضيق، والتحول إلى الأصولية أو العنف لتنفيس الأزمة.
ولم ينفصل خطاب التنوير أبدا عن تقدم الشعوب والأمم، كما بينت خبرة "عصر النهضة" الأوروبي، باعتباره نقطة افتراق عما اصطلح على تسميته "عصور الظلام" الأوروبية. وقد حملت هذه النهضة أسماء كبيرة من المفكرين والفلاسفة والعلماء الذين أناروا العقل الأوروبي، وفتحوا الطريق أمام التحولات في البنى الاجتماعية والفكرية باتجاه الإبداع والتقدم. وفي التجربة العربية، كان هناك ما يشبه ذلك من تحولات شهدتها أواسط القرن العشرين، والتي حملتها أيضا قامات كبيرة من المفكرين الذين أحدثوا تغييرات حقيقية في الثقافة الجماهيرية، ومهدوا الطريق لما كان يمكن أن يغير أقدار المنطقة.
والعلاقة بين خطاب التنوير والشخصية الاجتماعية جدلية ودائرية. فالمجتمعات السكونية ترفض الخطاب الجديد والمغاير، وتضع مختلف أنواع المعيقات أمامه بتشغيل كل أنواع السُّلطات والاشتراطات والمحددات. لكن الخروج من حالة السكون لا يتحقق أيضا من دون روافع فكرية وخطاب تنويري يطرح البدائل ويفتح النوافذ. وبهذا، يكون الذهاب المستمر إلى الندرة في الأسماء المتنورة الكبيرة في العالم العربي مؤشراً على اختلال التوازن الهائل لصالح قوى الشد العكسي والرجعي، بدعم قويّ من أصحاب المصلحة في إدامة "الوضع الراهن" وحالته السكونية التي لا تخدم أحداً على المستوى الكلي، كما يتجلى في حالات عدم الاستقرار السياسي والاجتماعي التي باتت تهدد السلطات نفسها.
بشكل عام، تمكن إحالة بداية الحالة الراهنة إلى هجمة الشعور بالهزيمة، والتي أعقبت التدخل العسكري المتحالف ضد العراق في أوائل تسعينيات القرن الماضي. ولا ينفصل هذا التدخل بدوره عن انهيار "المعسكر الشرقي" وما تلاه من تفريغ ملعب الكوكب لقطب عالمي واحد، وترك الشعوب الضعيفة مكشوفة أمامه. وقد شهدنا بعد ذلك مباشرة انهيار الحلم العربي الجمعي والمشروع النهضوي، ومعه المشروع الشخصي، وما تلا ذلك من تمرير أفكار كانت مرفوضة تماما قبل ذلك، على رأسها الهرولة إلى ما دعي "مؤتمر مدريد للسلام". وكانت الذريعة التي لم يصمد أمامها المشروع العربي المتعثر: "انظروا، البرابرة على الأبواب، ولا قبل لأحد بمواجهتهم، فأطبقوا أفواهكم". وكان البديل الممكن لأخلص دعاة التنوير هو الاحتفاظ برباطة الجأش والتماسك الداخلي والاعتصام بالصمت، في وقت لا يرغب فيه بسماع "تهويمات وأحلام".
وتتالت الهزائم.. وأبرزها تفكيك المشروع التحرري الفلسطيني الذي شكل طويلاً نقطة الجذب في جمع التطلعات العربية، وعلى يد أصحاب المشروع أنفسهم. وترافق فقدان الناس لما يجمعهم مع هجوم واقع اقتصادي طاحن، وسلطات بلا بوصلة سياسية. وتخلف عن ذلك تحول الأفراد إلى مشاريعهم الفردية وتحلل الروح الجمعية، ما زاد في تعميق الأزمة. ولم يعد هناك ما يستدعي الدهشة في كل مظاهر العنف والتخلف والفساد وازدهار الانتماءات الضيقة للعائلة والقبيلة.
لكل ذلك، وقد بلغت الأمور هذا الحد من السوء، ومع فشل المشروع الرسمي، فإنه لا بدّ للرؤى المتنورة والشمولية أن تتغلب على عوامل الشد، وأن تجترئ على طرح نفسها، وليس أوضح من العلاقة بين ندرة أسماء المفكرين الكبار، وبين استشراء مظاهر العنف والتطرف..!

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   علاء الدين أبو زينة