على علات العولمة والشركات العابرة للحدود، يتفهم المرء مثلاً نقل الشركات اليابانية صاحبة الماركات الشهيرة في صناعة السيارات والألكترونيات مصانعها إلى سنغافورة وماليزيا بهدف تصنيع منتجاتها بكلفة أقل، مستفيدة من التسهيلات الاستثمارية وتوفر العمالة الرخيصة في تلك البلدان. وقد تصورنا في الأردن، وربما حلمنا، بأن تنشأ لدينا مناطق صناعية تؤمها الشركات الصناعية الكبرى، فتخلق الوظائف للأيدي العاملة المحلية، وتشيع مناخاً من الحراك الاقتصادي النشط، بحيث يكتسب الأردن سمعة البلد الجاذب للاستثمار، ويقترت من تعريف الدولة الصناعية حين يكتب على منتجات أرضه بفخر: "صنع في الأردن".
لكن شيئاً من هذا التصور لا ينطبق أبداً على ما يدعى "المناطق الصناعية المؤهلة" QIZ الموجودة في الأردن، والتي تبدو أشبه بمستعمرات أو مراكز اعتقال سرية ممنوعة الدخول، ونسمع عنها تقارير تغمّ البال وتوجع الضمير، تصم بلدنا بأنه مركز للاتجار بالبشر، وموضع لارتكاب أسوأ الممارسات في حق ضيوف عاملين ومقيمين على أراضيه. وكان آخر ما رشح عن هذا الموضوع، ذلك التقرير الأخير الذي أصدرته لجنة العمل الوطنية الأميركية حول الانتهاكات التي تُمارس بحق حوالي 1200 من العاملات الوافدات من مناطق شرق آسيا في منطقة الضليل، ونشرت الغد بعضاً من مضمونه يوم الأحد الماضي.
وقد عرفنا الممارسات الوحشية التي اشتهرت بها سجون غوانتانامو وأبوغريب، لكن ما يزعمه التقرير عما يحدث في حق هؤلاء النساء يبدو أفظع مما ارتكبه الجلاوزة الأميركيون في معتقلاتهم. فبعد كل شيء، تم احتجاز المذنبين والبريئين في السجون الأميركية المذكورة بذريعة "الإرهاب". لكن أحداً لا يعرف أي ذنب ارتكبته هؤلاء النسوة الفقيرات اللواتي أجاءتهن الحاجة إلى منطقة غريبة قصية من العالم ليجلبن لعوائلهن الخبز، حتى أصبحن عالقات في أسوأ أنواع المعتقلات التي تحمل يافطات "مصانع"؟
لا أستطيع أن أسرد كل ما ورد في التقرير المذكور، لكن مما جاء فيه؛ تشغيل هؤلاء النساء لساعات عمل خرافية لا تقل عن 16 ساعة يومياً، وإطعامهن العدس والأرز يومياً، مع قطعة دجاج واحدة في الأسبوع؛ واحتجاز جوازات سفرهن ومنعهن من المغادرة، ومعاقبتهن بالضرب الوحشي في حال طالبن باستعادتها؛ وإعطاؤهن أجوراً تافهة لا تساوي نصف المبالغ المتعاقد عليها والقليلة أصلاً. وفوق كل هذا الحط من قدر الكرامة الإنسانية، تشتكي بعضهن حسب التقرير من التعرض للتحرش الجنسي، بل والاغتصاب.
أما المشكلة الأكبر في كل ذلك، فهي تحميل وزارة العمل والجهات الرسمية في الأردن المسؤولية عن كل ذلك، واضطرارها إلى التفنيد والتكذيب المتكرر. ورغم الخلفيات والتوقعات السياسية والاقتصادية التي لن أخوض فيها، خطر لي أن أسأل عن الفائدة الاقتصادية التي يجنيها بلدنا مقابل دفع هذه الكلفة العالية من الفضائح المسيئة لصورته وقيمه، فعلمت أن مساهمة البلد لا تتجاوز نسبة 11.7 % في معظم الأحيان، ولست معنياً بهذا الرقم إلا بقدر تفاهته مقابل الكلفة التي ندفعها.
باختصار، لم تعمل هذه المصانع الأجنبية على تشغيل الأيدي العاملة الوطنية، ولم تتجاوز تصنيع "النسيج"، ولا هي حسّنت الحراك الاقتصادي ولا سمعة البلد التجارية، ولا هي ترفد موازنته بشيء يعتد به. وفي وقت يناضل فيه هذا البلد من أجل تكريس قيمه الديمقراطية وصيانة كرامة الإنسان ورسم صورة تليق به في المشهد العالمي، يأتي هذا التقرير وأشباهه ليكون لا أقل من فضيحة تستوجب ستر الوجه والوقوف في موضع الشبهة والدفاع.
ربما أجهل الفوائد الخفية وراء الفتات الاقتصادي المذكور، والتي يستفيدها بلدي من وجود هذه المصانع التي تسيء لمضيفها في بيته، وأتمنى أن ينورني العارفون في حال كانت هناك مثل هذه الفوائد. لكنني لا أعتقد بأن شيئاً مهما عظُم يمكن أن يسوّغ القبول بتكرار التسبب في اتهام الأردن بأنه يتغاضى، ويشارك، في جريمة الاتجار بالبشر وامتهان كرامة الإنسان. ولدى مقارنة هذه الكلفة بأي مردود، يقول المنطق بضرورة إعادة النظر في وجود هذه المصانع على أرض الأردن لتسيء فقط إلى سمعته وتنتهك قوانينه. إن الحرة تجوع ولا تأكل بثدييها، ونحن جميعاً معنيون بعدم استمرار هذه الفضائح التي بلا ثمن.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد علاء الدين أبو زينة