في زماننا الذهبي الذاهب الذي ما نزال نحنّ إليه، كان "اللّحن" في اللغة عيباً. ولم تكن العربية في عصر ما قبل الإسلام أداة تواصل عملي فحسب، وإنما كانت موطن اشتغال العرب وفخرهم وافتتانهم وإجلالَهم. وكان ميلاد شاعر في القبيلة مدعاة للاحتفال، لأن "إعلام" القبيلة يكون قد كسب صوتاً لجهة ذيوع الصيت، والخلود في ذاكرة الأيام. وكان الشِّعرُ، أرقى أشكال الاستخدام اللغوي، "ديوانَ العَرب" الذي أرّخ لأخلاقهم وطرائق عيشهم وقيَمهم. ومنه عرفنا قبائل بكر وتميم ووائل، ومَن عمَروا الجزيرة العربية قبل قدوم الإسلام ونشوء الدولة. ولم يقوَ الزمن على طمس بهاء لغة العرب تلك، فلا يملك الزائر لغيضات امرئ القيس، وزهير وكعب، أو النابغة وعنترة وقس بن ساعدة، سوى الوقوف مأخوذاً بسحر البيان وعبقرية التصوير ونبل الفكرة. ثم نزل القرآن الكريم بالعربية ليذهب بها إلى أعالي الإعجاز.
لا أدري لِمَ اختارني قارئ كريم -أنا المتعب من الهرولة بين لغتين- فتفضّل عليّ برسالة حمّلني فيها أمانة الكتابة عما تلاقيه العربية من جَور، وذكر لي في رسالته أخطاءً تجرحُ الأذن والذائقة، تُروّجُها كُبريات الشركات في إعلاناتها المطبوعة والمسموعة. وأضيف إلى ما ذكره أستاذي القارئ لَحنَ بعض المذيعين والإعلاميين وأهل الخطاب فيما لا ينبغي الخلطُ فيه من أساسيات اللغة. وكنتُ كتبت عن العربية في هذا الموضع، لكن أخي القارئ عاد فحمّلني ما يُفزعني، لأنَّ لُغتي من لغة أهل زماني، ولن تعصمني من الزلل شدّة حرصي على لغتي، وقد يتصيّد العالِمون عثراتي كما تصيّد الأوّلون سقَطات الشعراء. لكنّني لا أجد بأساً في ضمّ صوتي إلى صوته كرّة أخرى، والتماس الرحمة لهذه اللغة التي جَارَ عليها أهلُها والزّمان.
لن أطالب الناس بالتقعُّر في الكلام اليومي، لكن هيبةَ اللغة ينبغي أن تُصان في مواضع الاستخدام العام، مثل المواد الإعلامية في الصحف ومحطات الإذاعة والتلفزة والمنافذ الذائعة الأخرى. وليس أشدّ وقعاً على الأذُن من الاستماع إلى مُحاضِر يحتلّ المنبر ويعدو على اللغةِ، فيُتلفُ مضمونَه وفكرتَه، ويُؤذي ذائقة مستمعيه بكثرة اللَّحن والنشوز، أو مقدّم برامج يرفع المنصوب وينصب المرفوع، فيختلط علينا المعنى، ولا نعود نميّز مفعول كلامه من فاعله. ولا أعتقد بأن من سعة الصدر التجاوز عن كثرة الخطأ في مثل هذه المواضع، على الأقل من باب تجنب سوء التوصيل وقلب المعنى.
أمّا على المستوى العاطفيّ، فإن حبّ اللغة يتصل بحبّ الواحد هويّته وثقافته. وقد وُهبنا لغة غاية في الجمال، يستحق منا التراث الإبداعي العريض الذي حملته أن نلتفت إليها ونحنو عليها. وأعتقد بأن وقفة من التأمل المتعاطف لا بدّ أن توقع صاحبها في عشق هذه اللغة العذبة، وتغير طبعه. وليسَ أحلى على النّفس من اجتهاد المرء قليلاً في تفكيك نص يبدو صعباً، حتى يتكشف له المعنى، فيحبّ شاعراً مثل "الشّنفرى" الذي تنفرّنا مفرداته أول الأمر، لنكتشف فيه مع اقترابنا من معانيه غاية الرقة وجمال الطبع وحرية الروح والذوبان في العالم.
قد يبدأ حبّنا اللغة بنصّ نقرؤه، فيأسُرنا ويستوقفنا. وقد تستظهر الذاكرة الفتية نصوصاً تقف عليها بإعجاب، ثم تبقى منها التماعات تشعّ بقوة مع اكتهال الذاكرة، ويقف المرءُ أمامها بذات الخشوع الأول. وكم يضج بستان العربية الفسيح بمثل هذه الأزاهير اللغوية الملونة، وبالضّوع والتنويعات والمذاقات التي لا تُستنفد. وكم يشعُر الواحد بأنه حرُّ وأكثر انطلاقاً حين تُسعفه مفرداته، فتجسد ما يدور في نفسه من الفِكَر والعواطف، ثم يتأمل نصّه فيرى في مرآته ذاتَه.
وأعود، فأوصي المشتغلين في النطاق العام باللغة خيراً، ليس من موقف الأصولية والجمود، وإنما من موقف الحداثة، مع الحرص على دقة المعنى وسلامة التعبير بغية عدم إساءة التوصيل، وتجنب تخريب الذائقة العامة وإنهاك قدرة الناس على مقاربة النص. وأظن إهمال اللغة اليوم يصيب الأمة في مقتل، في عالم توجهه بوضوح قوة الخِطاب. ولا نريد أن نكون أمّة عييّة اللسان، بكماء عجماء في هذه الأوقات الخطرة التي لا مكان فيها للساكتين أو المتعثرين في الكلام. فرفقاً بالعربية..!

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   علاء الدين أبو زينة