هل اضطر أحدكم إلى قيادة سيارته يوماً بـ”زامور” معطل؟ أعتقد أن واحدنا يشعر، بلا “زامور”، بأنه ناقص جداًّ، وكأنه بلا لسان أو صوت. وربما يتطير من احتمال التعرض إلى حادث، ويضطر إلى الإيماء برأسه والتلويح بيديه والصراخ من الشباك على السواقين الآخرين والمشاة حتى يصل وجهته بسلام. ولأننا شعب ذكي، فإننا نستغل الزامور، حتى لأكثر مما قصده صانع السيارة الذي وضعه فيها بنفسه. وإليكم بعض الاستخدامات:
أولاً، نستعمل الزامور بدل الشتيمة، لنسبّ سائقاً يعطلنا حين يصطف مزدوجاً في شارع ضيق، إما لسحب مبلغ من صراف آليّ، أو لالتقاط راكب إذا كان سائق سيارة عمومية، وغالباً ما يكون هناك متسع مناسب للتوقف على بعد مترين من موضع وقوفه. ثانياً، نستعمله لإخراج الآخرين من حالة “الخدر والتسطيل” الشائعة، فننعش سائقاً خرج من شارع فرعي إلى رئيسي من دون تكلف عناء استكشاف الطريق، أو نستعجل ماشياً يقطع الشارع من تحت جسر المشاة، متبخترا -على أقل من مهله- وكأنه صاحب الشارع. ثالثاً، نعبر بالزامور عن “التعالي” إذا كانت سيارتنا فخمة، ونريد أن نغيظ بها الآخرين. ونستعمله لاستعراض مهارتنا في القيادة، فنُشعر السائق الواقف أمامنا على التقاطع بأنه لا يعرف كيف يسوق ويتقحَّم الطريق، وبأنه أخذ رخصته بالواسطة. رابعاً، نستخدم الزامور للاقتصاد في اللغة، حيث لا موجب لاستهلاك العبارات في التعبير عن الفرحة الشخصية أو المشاركة في أفراح الآخرين. خامساً، نشغل الزامور من باب الحفاظ على هذا الجهاز في السيارة عاملاً، فلا يصدأ من قلة الاستخدام. سادساً، نستخدمه للمناداة على صديق نقلُّه صباحاً إلى العمل.. و”بالمرة”، نصنع معروفاً، فنوقظ النائمين من سكان الحيّ حتى لا “تروح عليهم نومة” فيتأخروا عن الدوام..!
أما قلّة الهيَبة، فهي أن تضطر إلى السير في “فاردة” عرس من دون زامور. فقد يتهمك مضيفوك بأنك لا تشاطرهم الفرحة، وبأنك تضن عليهم باستخدام “زامورك”، ربما من باب البخل وتوفير الكهرباء أو الوقود، وقد يظنون بك الشماتة أو الغيرة. وقد يخذلك زامورك المعطل في يوم فوز فريق ما في كرة القدم، وتمر من أمام الملعب مع خروج جمهور الفائزين، فيشبع المشجعون سيارتك ركلاً ولكماً بالقبضات. وإذا تعطل زامورك في مناسبة نجاح ابنك، فإن فرحك يكون ناقصاً، ومكمّماً بلا “صوت”.
وفي المقابل.. يضرب سائق مستعجل على أعصابك ويشبعك تزميراً إن توقفت على تقاطع خطر، واتبعت القواعد والتهذيب. وآخر “ينبهك” إلى أن الإشارة أصبحت خضراء، بينما يكون ترتيب سيارتك هو العاشر، ولم تتحرك السيارات التي أمامك بعد. وقد يبلغ بالواحد، من فرط إدمانه عادة التزمير، أن يطلق زامور سيارته حاثّاً نفسه على السير، ولو كانت سيارته هي الأولى على الإشارة عندما تخضرّ.
لأن الثقافة “طريقة حياة” وسلوك، أصبح “التزمير” جزءاً من هويتنا الثقافية. ولا يقتصر التزمير على “منبه” السيارة، وإنما قد نرفع عقيرتنا بالتزمير بالحنجرة حين تعوزنا الحجة والإقناع، أو حين نرغب في التهنئة أو التعظيم من دون عاطفة حقيقية، فنزمّر هاتفين بصوت زاعق وغير مفهوم. وبمقاربة أكثر جديّة، تبدو “ثقافة التزمير” و”التطبيل” إن شئتم، وكذلك “الطخطخة” وكل صوت عال بلا حروف، وأنها أصبحت طرائقنا لنقول إننا موجودون، وتعبيراً عن اعتقادنا بأن اعتصامنا بالهدوء هو صنو الموات والكسل، وبأن الصخب يجعلنا مرئيين.. ولكم أن تتخيلوا كم ستكون حياتنا ناقصة بلا “تزمير”، وكم ستكون عاطلة من المعنى؟!
إن كل هذا “التزمير” هو إعلان عن الفوضى، وكثرة ما نعتقد بأنه يستوجب التنبيه أو الاحتجاج. وهو تعبير عن الضيق ونفاد الصبر. وهو تعبير عن فقرنا اللغوي، أو عدم رغبتنا في الكلام. إنه، بلا مزاح، تجل غير حضاري لثقافة تعلي من شأن الزعيق، كل أشكال الزعيق، ولمجرد الزعيق. وهو إشارة إلى أن حركة السير، بالمعنى الحرفي والمجازي، ليست سلسة ولا سالكة. إن “التزمير” في نهاية المطاف، قد أصبح طبعاً ثقافياً ضرورياً متأصلاً فينا، والذي يقول عنا الكثير!.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد علاء الدين أبو زينة