المناسبة: مسلسل عربي، زمن أحداثه ستينيات القرن الماضي. والحوار والديكورات والحدث، كلها تغري بالهروب من الحاضر، ونسيان الزمان والمكان، والعودة عبر الشاشة إلى زمن "الراديو" الجميل. وقد فتح أحد الشخوص الراديو "الترانزستور" على نشرة الأخبار التي بدأها المذيع بعبارة موحية: "صوت العرب من القاهرة".. وقالها المذيع المصري بتلك النغمة المألوفة تماماً، والمقبلة من زمن يبدو سحيقا وقريبا في آن.. وكان يتحدث بلهجة انتصارية، عن "كيان رجال العصابات" والحرب في اليمن..!
ولا يهمّ الحديث عن روعة "الراديو" الكبير ذي "اللمبات" الذي كان أهلنا يحدبون عليه ويدثرونه بقطع القماش المطرزة، ولا عن أول راديو "ترانزستور" دخل بيتنا وبيوت الآخرين في أواخر الستينيات، ولا عن سطوة الراديو السيّدة على حياتنا وحضوره المحبب –وهو ما يستدعي كله حنينا روائي الطبع يغري بالقصّ.. لكن المسألة تتعلق أكثر بالعبارة الافتتاحية التي كنا نسمعها تتردد كثيراً من المرات يومياً في بيوتنا: "صوت العرب من القاهرة"..
وحتى لا يتهمنا أحد بعدم الانتماء، فقد كنا نستمع طبعاً إلى إذاعتنا المحلية. ولا ينسى أحد افتتاح صباحاتنا العَمّانية بأغنيات "يا صباح الخير ياللي معانا" و"فلاح كان فايت بيغني"، واختتام سهراتها بأغنية أم كلثوم و"همس الليل".. لكنّ أبي والآخرين كانوا يبحثون عن موجة صوت العرب من القاهرة لسماع الأخبار، وبالتحديد تلك النبرة الانتصارية التي كان يتقنها المذيعون المصريون جميعاً ولا تخطئها الأذن، وكأنهم قرأوا على شيخ واحد. ومن تلك الأيام حفظت ذاكراتنا المقولات السياسية وتمارين المنطق الأرسطي: "إن حرية الكلمة هي المقدمة الأولى للديمقراطية".. و، "الكلمة موقف، الفعل موقف، الإنسان كلمة وفعل. الإنسان موقف".
حسبما كنت أعلم، لم يكن أبي هو الوحيد الذي يوجه لاقط مذياعه شطر قاهرة المُعزّ، وإنما كان هذا دأب غالبية العرب.. وبغض النظر عن النواتج العملية غير السارة لخطابة "صوت العرب" في تلك الفترة، وانتهاء النبرة الانتصارية إلى هزيمة فيزيائية، فقد كان هناك صوت اسمه "صوت العرب"، بما حمله ذلك الاسم من توحيد للآمال والخيبات.. ولا شكّ في أن تقاسم الخيبة يخفف وقعها على الفرد، ولذلك يجتمع الناس فيما يستوجب العزاء.. أما أن تجتمع الخيبة إلى الوحدة كما يحدث حاليا، فإنه ليس من المدهش أن تصبح الحبّة قبّة، وأن يشعر الواحد بأن الخطب جللٌ ولو صغُر.
نبحث عن "صوت العرب" اليوم، فلا نعثر عليه في ازدحام الأثير بالأصوات المختلطة التي تبثها مئات الإذاعات والفضائيات، متباينة النبرات، ناشزة الموسيقى، خالطة الحابل بالنابل.. وندوِّر جهاز التوجيه بملل أوقاتاً طويلة حتى نستقرّ على شيء يعجبنا في الفضائيات، وقد نتشاجر مع زوجاتنا أو أبنائنا بسبب "المحطة" التي استقر عليها حائز "الريموت" إذا لم يكن عندنا أكثر من شاشة واحدة و"ريسيفر" واحد.. أما القنوات التي تبث من "القاهرة"، فليس لها عدد ولا حصر. وليست فيها نبرة واحدة لا تخطئها الأذن.. ونحن لم يعد لنا مزاج الاستماع المتقارب في الأسرة الواحدة.. أم هو التعدد الصحيّ والتباين الجميل الناجم عن تنوع الألوان؟!
وأبرز ما يأتي من القاهرة اليوم: إغلاق معبر رفح وإطباق الحصار على القطاع؛ و، السلام هو خيار مصر الاستراتيجي؛ وندرة الغاز في مصر مع تصديره بسعر مخفض إلى "إسرائيل"، ولهجة نادمة تتسرب أحياناً عن تضحيات مصر الطويلة من أجل قضية الآخرين، ومنطق "شوف مصلحتك".. وأخيراً، دخول البرادعي على الخط ومسألة "التوريث".. ولا أنسى أيضاً مئات "المطربين" الذين تنبتهم القاهرة مثل الفطر، فلا تحفظ الذاكرة أسماءهم.. أم هو اكتهال الذاكرة؟
كانت حياتنا أيام الراديو بسيطة المظهر، لكنها كانت غنية التفاصيل لقلة التفاصيل، ولأنه كان لنا الوقت لنتأمل غنى التفاصيل.. وكان آباؤنا الأميّون في أغلبهم ضليعين في السياسة ومعرفة الأخبار، وكنا نصاب بعدوى الشغف بالاستماع إلى نشرات الأخبار، بسبب اعتياد أسماعنا عليها بسلطة الأب، ليس بمعنى "البطريركية". واليوم، نتحدث عن فتح الأثير وكثرة المشارب حد الضجيج. فهل تقدمنا حقا؟! أما كان أجمل لو تسيّد الأثير صوت واحد: "صوت العرب"، بأل التعريف، ومن أي قاهرة..!
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد علاء الدين أبو زينة