كل يوم أرى نفس المشهد:بائع « تُرمس» يقف في منتصف الشارع « المشبوه». يستقبل « زبائنه « من أصحاب السيارات الفارهة « جيبّات عالية» و» سيارات» أُخرى يقودها «رجال» غير وقورين، وأحيانا « أولاد» مراهقون، أشكّ أنهم أصحاب السيارات، وربما « اختلسوها « من وراء ظهور آبائهم « المترفين».

وعلى مسافة ـ مناسبة ـ محسوبة « بالميلمتر»، ثمّة أُنثى تدّعي « الوقوف/ الحيادي»، تحرك رأسها ذات اليمين وذات الشِّمال.

يبدأ الفيلم، أحيانا في ساعات الصباح الباكر، وغالبا في ساعات المساء حيث « يروق الجوّ». ينشغل بائع « التُرمس» بعربته الخشبية التي تحتوي اضافة الى « الترمس» على « فول» ساخن. ويلهو الرجل بملقط كبير يحرك به أطرف الفول وأحيانا « الذُّرة» المسلوقة، موحيا للآخرين أنه « جادّ» في عمله. تتوقف سيارة، يهبط منها، « رجل» يرتدي « دشداشة « بيضاء ناصعة او بدلة، يحاوره وتظن انه سيشتري « كل» الكميات المتوفرة من الترمس والفول والذّرة. لكنه لا يفعل ذلك، ويهمس بأُذن البائع المُتلّهف، وخلال ثوان تتحرك السيارة بعد اشارات « مريبة «. وتصعد المرأة التي تتظاهر بالخجل وتتمّ « الصّفقة».

وفي شارع آخر، ليس ببعيدٍ عن الشارع الأول، ثمة محل لبيع الخمور، او بلغة المثقفين، ثَمّة « حانة « تتوسط الشارع. وعلى بابها الأيمن، يقف « بائع تُرمُس»، رابض في المكان، ينتظر الخارجين من «الحانة». يبيعهم « أكياس الترمس» ويضرب بيده على خشب العربة بحركات لا إرادية ربما توحي بالرضا.

يخرج الرجال وقد حملوا بضاعتهم من « القوارير» بأكياس ورقية كاكيّة، تخفي محتوياتها. وأراهم « سعداء « تعلو وجوههم البهجة وبعضهم يدندن لحنا قديما.

صديقي الذي أسير معه، يعاني من مشاكل « الضغط» وهو ممنوع من تناول « الموالح». المسكين، يتأمل بحسرة بائع الترمس والفول في الشارعين ( في الذهاب والإياب)،، يتمنى شراء « الترمس». لكن « بيّاع الترمس» في الحالتين يقف في مكان لا يتيح لصديقي الاقتراب منه، حتى لا يصيبه شيء من « التلوّث الأخلاقي».

نِفسي أشتري له « ترمس»، وفي نفس الوقت، نِفسي « أرتكب حماقة « وأقلب العربة على صاحبها، بائع الترمس المتواطِىء.

نفسي، أقلب الطاولة على كثير من المتواطِئين.

نِفسي.


المراجع

addustour.com

التصانيف

صحافة   طلعت شناعة   جريدة الدستور