عندما أخبرني الزملاء في "الغد" بأنهم رتبوا لي مقابلة عاجلة مع المفكر الكبير نعوم تشومسكي الأسبوع الماضي، كان من بين مباعث ارتباكي، إضافة إلى عدم الاستعداد النفسي وتحضير الأسئلة، أنني لم أكن قد حلقت ذقني وارتديت ملابس مناسبة.. وهكذا، ذهبت إلى لقائه بما تصورت أنه هيئة غير مرتبة، لأجده هو نفسه يرتدي قميصا وبنطالا بسيطين من "الجينز"، ويسلم بتواضع، ويشرع بالحديث المليء.. وبطبيعة الحال، أخجلني الدم الذي حن" إلى ثقافة ربعي: "ثقافة المظاهر"، وشرعت في استكشاف بواعث شعورنا الفردي والجمعي بعدم ملاءة الداخل بحيث نلجأ إلى تغليف أنفسنا بأناقة لتعويض إحساس، ربما بالنقص.
ولا أدعو إلى أن يكون المرء أشعث أغبر غير مرتّب، لكنني أتصور أن ترتيب الداخل هو الأهم، وأن المظهر البسيط غير المتكلف لا يعني خواء صاحبه الداخلي أو انخفاض قيمته. وقد يخفي قناع البذلات الثمينة والملابس المترفة مصيبة من الفراغ والقفر. لكننا، لسوأة الحظ، تشرّبنا ثقافة المظهر لتحدد الكثير من سلوكياتنا، من التعاملات البسيطة إلى التخطيط الاستراتيجي. ولا يزعمنّ أحدٌ أن مُراجع دائرة حكومية أو خاصة لإنجاز معاملة ببذلة أنيقة وربطة عنق يجد المعاملة نفسها التي يلقاها شخص بسيط الملبس والمظهر. ولذلك، نعمد إلى ارتداء أفضل ما لدينا في هكذا مناسبات، وغالبا ما يخلعون علينا عندها صفة "أستاذ" ولو لم نكن من الأستذة في شيء.. فهذا هو طبع الأشياء هنا.
ثم فكّرت في الأعقد والأنكى، وهو ما لفت إليه نعوم تشومسكي حين تحدث عن العالم العربي وما يفعله بثروته الوحيدة: البترول.. وكان مما قاله أن هناك "متحفا من الألوان" في قطر، وأشياء يحاول السعوديون فعلها، لكنها ليست ذات معنى يعتد به بمعايير التنمية الاقتصادية والسياسية المستدامة. وتذكرت على الفور مسألة الملابس مرة أخرى. ومعها جاءت فكرة "النهضة العُمرانية" التي لا نكفّ عن التغني بها وعرضها على شاشات التلفزة للتعبير عن تقدمنا الحضاري. وبشكل عام، يمكن القول باطمئنان إن الوطن العربي من أقصاه إلى أقصاه يحتفي فقط بالملابس.. بهذا العرض المستمر والمتباهي للأزياء الأنيقة في شكل عمائر وشوارع وأبراج وفلل وسيارات. أما تحتها، فلا يوجد تصنيع، ولا بحث علمي، ولا خطط للتطوير السياسي وتنمية الأفراد، ولا أي شيء يمكن أن تكون له قيمة إذا نضبت آبار البترول ومعها جيوبنا. وربما تتحول العمائر العالية إلى "أبراج حمام"، والسيارات إلى مساكن للقطط..!
قبل أن أضع العنوان أعلاه، كنت أكتب تحت عنوان "بترول الأردن".. ووجدت العنوان عريضا ويحتاج إلى أكثر من مقالة عابرة.. ولم أكن بصدد الكتابة عن السائل الأسود الدبق الذي نسمع أنه موجود في الأردن وما نزال ننقب عنه، وإنما عن أموال بترول الغير التي اغترب آباؤنا وإخوتنا ونزفوا الدم ليجلبوها إلى هنا. وفي بلد قليل الموارد، كان هؤلاء المغتربون هم "بترول الأردن" وثروته. أما لماذا ليست لدينا مصانع (عدا مصانع المناطق الحرة المؤهلة التي ليست لنا)، ولماذا ليست لدينا تنمية، فذلك لأن معظم تلك الأموال ذهبت إلى "الملابس"، إلى "النهضة العمرانية" التي نستطيع أن ننافس بفخامتها بلد تشومسكي نفسه. وكنت قد استعرت عنوان مقالتي التي لم أكتبها من إسرائيلي كتب تحت عنوان "بترول إسرائيل"، أن ثروة بلاده هي خريجو معاهد التكنولوجيا العباقرة الذين يبيعون البرمجيات لشركة ميكروسوفت بعشرات الملايين من الدولارات.. واختتم باعتداد مستحق: "هذا هو بترول إسرائيل".
وعندنا: ذهبت أموال "حقبة المد النفطي" كما يحلو للبعض تسميتها، ولم يذهب مدّ الاستهلاك والمظاهر.. وبقيت السمة الغالبة على سلوكنا الاجتماعي وتخطيطنا السياسي هي العناية أكثر ما يكون، وقبل كل شيء، بالملابس بشتى تجلياتها.. لكن الحقائق تقول إن بشرة هذا الكيان الاجتماعي الغض ستجفّ وتتغضن قبل الأوان إذا لم يحظ بتغذية مناسبة، مادية وعقلية. وسوف يفضي هذا الإدمان على هدر الموارد إلى حال بائسة لن تنفع معها عمليات التجميل ولا الملابس الفاخرة.. فهلا اكتفينا بما في خزائننا من ملابس، وشرعنا بالسعي إلى معرفة كيفية ملء خوابينا بالقمح والزيت والسكر؟ فذلك ما يمكث في الأرض..!
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد علاء الدين أبو زينة