يحدث كثيراً أن يقول أحدنا مجلداً من الكلام الذي كان يمكن أن يوجزه في عبارة أو عبارتين وينتهي الأمر. ولا بأس بهذا النوع من الثرثرة والكلام الفائض لتزجية الوقت والتسلي مع صديق وفنجان قهوة في مقهى، وقد يندرج ذلك في باب "الاجتماعيات" المحمودة لتدفئة العلاقات. أما الممارسة غير المحمودة والمدمرة أحياناً فهي التلهّي عن الأولويات والجذور بتفحص الثانويات والفروع في المسائل الجدية والمصيرية على المستوى الفردي والجمعي.
وقد أمست مهارة "اللف والدوران" حول النقطة الأساسية من دون ملامستها، أكثر من مجرد كياسة حيث يلزم، لتصبح المؤهل الضروري لمن يرغب في لعب دور قيادي. (شكراً لمصادفات اللغة التي قرنت القيادة باللعب كأحسن ما يكون لتصف واقع الحال عندنا)، لأن القيادة لم تعد تعني الحزم في اتخاذ القرار والجرأة في مواجهة الحقائق، بقدر ما تعني إتقان لعبة "الغماية" وتضييع الآخرين وخداع أبصارهم على طريقة لعبة الثلاث ورقات. وقد يفهم الواحد ويقدر براعة المرء في تضييع خصومه في التفاصيل، كما فعلت بنا إسرائيل بعبقرية لأكثر من ستة عقود حتى نسينا أسّ المشكلة وتهنا في التبعات. أما غير المفهوم فهو أن يتجلى المرء في تضييع رفاقه ومواطنيه ومسانديه على هذا النحو حتى يصيب عيونهم بالعشى فلا يعودون يميزون الأصل من الصورة.
والحديث ذو شجون، وما أكثر الأمثلة. لكنني سأمر بمثال واحد من مفردات الحوار العام الدائر مؤخراً: موضوع الانتخابات، ولن أبحث في قانون الانتخابات بالتحديد، لأنه يندرج بكل بساطة في باب التفاصيل. أما الأصل، فهو أن ممارسة الانتخاب في ذاتها لا تساوي الديمقراطية، وإنما هي واحدة من أدواتها فحسب. والديمقراطية في أبسط تعريفاتها، هي "حكم الشعب نفسه". ولما كان الشعب حاصل مجموع الأفراد، فإن الديمقراطية تعني أن يحكم الفرد نفسه. وأسأل ببساطة: هل يشعر أي عربيّ شارك في أي اقتراع من أي مستوى، وبافتراض فوز مرشحه، بأنه أصبح بعد الانتخابات أكثر تحكماً بأقداره الخاصة، وبأنه صار أكثر استرخاءً وحرية؟!..
إذا كان الجواب: نعم. فلا تكملوا قراءة الموضوع، لأنني أكون قد أسأت قراءة الحالة. أما إذا كان الجواب: كلا.. أو "ليس كثيراً"، فإن المسألة لا تعود موضوع قانون انتخاب ولا خريطة أحزاب وقوى، وإنما تتعلق بالأصل، بالديمقراطية نفسها التي لا تكون قد تحققت في أبسط معانيها، ويكون قد تم الالتفاف عليها بوصفها المبدأ، وبلعبة الإغراق في التفاصيل نفسها. ومبتدأ الحكاية وخبرها: إنك إذا لم تخرج من قاعة الانتخاب وأنت تشعر بأنك في الطريق إلى أن تحكم نفسك بشكل ما، فإنه لا مبرر للحديث عن النزاهة والتزوير، والدوائر الحقيقية والوهمية، والصوت الواحد وتعدد الأصوات، لأنها كلها تفاصيل.
ولا أتحدث عن الانتخابات بالتحديد، لأن موضوعها لا ينفصل عن النمط السلوكي العام الذي عرضته في بداية الموضوع. وأجدني أتساءل في هذا المناخ، مثلما يتساءل الكثيرون غيري: من يدلني على بداية أي شيء وغايته في كل ما يصنف لدينا على أنه استراتيجيات وأساسيات؟ أليس هناك إحساس عام لدى الكثيرين منا بأنهم يدورون في حلقة مفرغة مثل جاموس الساقية؟ ألا تبدو الأمور في شكلها العام وأنها تسير على عواهنها، منفلتة القياد وقد تركت أقدارها للطريق؟ وأينا يستطيع أن يرى بوضوح ما يمكن أن يحصل على المنعطف التالي، أو يتذكر من أين بدأ المسير؟ إننا نعرف الكثير من التفاصيل، لكننا لا نستطيع أن نرى الصورة العامة.
لقد أصبحنا لكثرة ما يجري إلهاؤنا بالتفاصيل أناساً مولعين بالتوافه، ومنشغلين عن الكليات بالجزئيات التي نتعثر بها لكثرة ما نصادف منها على الطريق. ولأن الكثيرين أصبحوا من هواة رسم المتاهات -من باب الخبث أو "الفراغ الذي يعلّم التطريز"، أصبحت عقولنا مخدرة ومتعبة وفاقدة للوجهة. أما الذين يفضلون الذهاب مباشرة إلى منابع الأمور ومبتدآتها، فيوصفون بالحدّة في أحسن الأحوال أو بالصلف والعصبية واللعب بالنار. والمفارقة أننا بحاجة إلى هؤلاء بالتحديد، ممن يسمون الأمور بأسمائها ويشخصون أصول الأمور ومنتهاها، حتى نشعر ببعض الاطمئنان إلى احتمال الرسوّ على شاطئ آمن.!

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   علاء الدين أبو زينة