كنا ننظر إلى التحركات التركية الأخيرة في المنطقة قبل حادثة "أسطول الحرية" على أنها تنتمي إلى الذكاء السياسي البراغماتي.. فقد كانت تحتفظ بعلاقات قوية، عسكرية ودبلوماسية وتجارية، مع الكيان الصهيوني. وأبقت الباب مفتوحا مع دول الاتحاد الأوروبي، وظلت تتطلع إلى الانضمام إليه، في الوقت نفسه الذي قاربت فيه جوارها العربي وامتدادها الإسلامي من أجل خدمة مصالحها الاقتصادية وتعزيز هالتها الإقليمية. لكن ردة الفعل القوية المليئة بالكرامة ردا على حادثة السفينة ضربت مثالا على الطريقة التي تتصرف بها الأمم الحيّة حين تُمسّ كرامتها الوطنية وسلامة مواطنيها.
كان بوسع تركيا أن تشجب وتستنكر على الطريقة العربية، وكانت ستبقي على علاقاتها مع العرب جيدة مع ذلك لأنها لم تكن في حاجة إلى مداهنتهم وهم الذين يتعلقون بأذيال كل من يلقي عليهم السلام. ولذلك، لا يمكن قراءة الموقف التركي على أنه محاولة لبيع تركيا على الرأي العام العربي الذي كانت المسلسلات التركية المدبلجة وحدها كفيلة بتغيير وجهته. كانت الوقفة التركية تجسد ثورة الانتصار للكرامة التي تنبغي لأي أمة تحترم نفسها ولا تتردد في إعلان عدائها لكل من يمس سيادتها، من دون احتساب للخسائر المادية والسياسية الممكنة، ومن دون اعتبار لمن يقف وراء الطرف المعتدي.
قبل هذا الموقف الأخير، كان أردوغان قد وبخ بيرس في مؤتمر دافوس وخرج من القاعة عندما سمع كلاما لم يرق له. وأمام البرلمان التركي أول من أمس، قال أردوغان: "لا يمكن لأحد أن يمارس الألاعيب مع تركيا، ولا يمكن لأحد أن يحاول اختبار صبرها. وكما أن صداقتنا قوية، فإن عداوتنا لا تقل قوة". وبعد هذا الكلام، ومهما يكن مستقبل العلاقات بين تركيا وإسرائيل، فإن الأخيرة لا بدّ أن تكون أكثر حذرا أمام هذه الدولة التي لا يبدو أنها تستمرئ الإهانة.
أما بالنسبة إلينا نحن، العرب العاديين، فنتذكر اليوم عبارة: ما أشبه اليوم بالبارحة..! ثمة اعتصامنا نفسها بمحطات التلفزة التي تبثّ تداعيات الجريمة الوحشية، والقهر نفسه الذي يعصر القلب والإحساس نفسه بقلة الحيلة.. وعلى شريط الأخبار المتحرك أسفل الشاشات والمواقع الألكترونية، تتوارد بيانات الشجب والاستنكار التي نتمنى أن تكثر، فتعزينا كثرتها.. ومن شدة اعتياد المشهد المتكرر، أصبح الواحد يستشعر في الجو إحساساً أثيماً بمتعة مازوشية تصاحب كسر طوق الرتابة وما تصنعه الأحداث من تغيير وإثارة.. هكذا كان الحال أثناء الهجمة الصهيونية الوحشية على لبنان في العام 1982، وفي العام 2006، وخلال مجزرة غزة في العام 2009.. وكانت المحصلة بعد كل مرة: لا شيء أبعد من الشجب والاستنكار، وربما اعتقاد خيّبته إسرائيل فجر الاثنين بأنها أصبحت محرجة أمام المجتمع الدولي وستسعى إلى تبييض صفحتها.
إن مطالب الشعوب العربية من زعمائها لا تبدو معجزة، وتشكل الاستجابة إليها الحد الأدنى اللازم للاحتفاظ بما تبقى من ماء الوجه: اطردوا سفراء الكيان الصهيوني من العواصم العربية.. اقطعوا العلاقات الدبلوماسية والتجارية مع الكيان المجرم.. عودوا إلى خيار المقاومة وانبذوا خيار الاستسلام.. افتحوا المعابر بوضوح، واكسروا الحصار الظالم المضروب على قطاع غزة والشعب الفلسطيني.. قفوا مرة واحدة موقف عزّ وسوف نسجله لكم..!
فهل تغار الأنظمة العربية التي تقود أمة لا تقل كرامة ولا إمكانيات ولا إشراق تاريخ عن تركيا من غضبة تركيا لكرامتها؟! وهل تستطيع أن تقول شيئاً يشبه القول الطبيعي والمسوّغ من أننا نستطيع أن نعادي بقدر ما نستطيع أن نصادق؟ وهل تغتنم هذه اللحظة التاريخية فتستغل غضبة العالم للخروج بكلام يليق؟ ليس هناك ما يشي بذلك. وإنما يبقى الرهان الوحيد معلقا على صمود الشعب الفلسطيني والشعوب العربية الحيّة على الرغم من كل ما يصيبها به زعماؤها من إعياء. وعلى الشرفاء من أبناء الإنسانية من أمثال رسُل الحياة الذين استشهدوا يوم الاثنين قبالة ساحل غزة.. أما على المستوى العربي الرسمي، فثمة التنديد المعتاد الخالي من الحرارة والكرامة.. وبهكذا رد بارد، سيفلت القتلة مرة أخرى بفعلتهم.. وحتى تحين ساعة الحساب الحتمية، فإن الصخب سيهدأ، وستذهب الجريمة الأخيرة إلى رفوف الأرشيف..!
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد علاء الدين أبو زينة